روح الإسلام... التسليم والاستسلام للواحد الديان
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .
فأقسم الله -تعالى- بنفسه الكريمة أنه لا يؤمن أحدٌ حتى يحكِّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور دون ممانعة أو منازعة، ولما كان ( لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) غير كافٍ في تحقيق الإيمان؛ قال الله -تعالى- بعدها: ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ) فاشترط الانقياد الظاهر والباطن لما قضى به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبلا شكٍّ أو حرج ( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) . فبهذا يتحقق الإيمان.
وقال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا ) (الأحزاب:36) .
وقد أثنى الله -تعالى- على إبراهيم -عليه السلام- لأنه استسلم لحكم الله وسلم له وسارع في ذلك فقال -تعالى- عنه: ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (البقرة:131) .
وعندما عاتب الله نوحًا -عليه السلام- في شان ولده الكافر وظنه أنه مِن أهله؛ سارع نوح -عليه السلام- إلى الاستسلام والتسليم لحكم الله -تعالى-، قال لله عنه: ( وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (هود:45-47) .
وقال -تعالى- عن إبراهيم إسماعيل -عليهما السلام-: ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) (الصافات:103-107) . ( أَسْلَمَا ): أي استسلما. قال قتادة -رحمه الله-: "أسلم هذا بذبح ولده، وأسلم هذا بتسليم نفسه لأبيه".
فضرب إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- أروع الأمثال في الخضوع والاستسلام لله، فإبراهيم -عليه السلام- لا يعارض ولا يمانع، بل ولا يسأل ربه حتى عن الحكمة في ذبح ولده إسماعيل وهو ابنه الوحيد -آنذاك- الذي رزقه الله إياه على الكبر ومع شدة حاجته إليه، وكذلك الولد الصالح إسماعيل -عليه السلام- يسارع في الانصياع والاستجابة لأمر الله ويهون على أبيه قائلاً بودٍّ وتودد: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (الصافات:102) .
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلـِّم أمته دعوات تتضمن التربية على التسليم والاستسلام لله -تعالى-: ومِن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في ركوعه: ( اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي )، وفي سجوده: ( اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (رواه مسلم) .
وقوله -صلى الله عليه وسلم- في تهجده: ( اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لاَ إِلَهَ إِلا أَنْتَ ) (متفق عليه) .
وقوله عند النوم: ( اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ) (متفق عليه) .
وقد ضرب الصحابة -رضي الله عنهم- كذلك أروع الأمثلة في التسليم والاستسلام لله -تعالى- ووحيه المنزل على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه أمثلة على ذلك: