روح الإسلام... التسليم والاستسلام للواحد الديان
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
- عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنَادِيًا يُنَادِي: "أَلاَ إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ" قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ. (متفق عليه) . فامتنعوا -رضي الله عنهم- عن الخمر من ساعتهم وسارعوا بالاستجابة والتسليم لشرع الله -تعالى-؛ على الرغم مِن أن الخمر كانت شرابًا لا يستغني عنه العرب ويعتادونه، ولكن بمجرد ما نزل قوله الله -تعالى-: ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِر ِ) إِلَى قَوْلِهِ: ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) (المائدة:91) ، قال قائلهم كعمر -رضي الله عنه-: "انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) (النور:31) ، شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. (رواه البخاري) .
- ولما أُخبر بعض الصحابة -وهم يصلون تجاه بيت المقدس- بتحول القبلة نحو الكعبة، استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة مسارعة منهم في الاستجابة والامتثال؛ فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدِ اُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ" (متفق عليه) .
- وعن جابر بن سليم -رضي الله عنه- أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: اعْهَدْ إِلَيَّ، قَالَ: ( لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا ) قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا، وَلا عَبْدًا، وَلا بَعِيرًا، وَلا شَاةً . (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
- وهذا معقل بن يسار -رضي الله عنه- قد زوَّج أخته لرجل، لكنه طلقها ثم ندم وجاء يخطبها مرة أخرى، فقال معقل: زوجتك وأكرمتك ثم طلقت أختي، لا والله لا ترجع إليك أبدًا، فأنزل الله -تعالى-: ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:232) . فقال معقل -رضي الله عنه-: " سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ " (رواه الترمذي، وصححه الألباني، وأصله عند البخاري) .
- وكذلك كان سلفنا الصالح -رضي الله عنهم- في مسابقتهم وتسليمهم لشرع الله -تعالى-: فهذا الشافعي -رحمه الله- ذكر عنه الحميدي أن رجلاً جاءه فسأله عن مسألة، فقال الشافعي: قضى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا، فقال الرجل: وما تقول أنت؟ فقال الشافعي: سبحان الله! تراني في كنيسة، تراني في بيعة -معبد اليهود-؟ ترى على وسطي زنارًا -شعار أهل الذمة-، أقول لك قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنت تقول: ما تقول أنت؟!" (ذم الكلام وأهله) .
- بل مِن لطائف ما يذكر في ذلك عن أحد العوام ما ذكره أبو إسحاق الحبال قال: "كنا يومًا نقرأ على شيخ فقرأنا حديث النبي -عليه السلام-: ( لا يدخل الجنة قتات ) (متفق عليه) ، وكان في الجماعة رجل عامي يبيع القت -وهو علف الدواب-، فقام وبكى وقال: أتوب إلى الله من بيع القت، فقال له الشيخ: ليس هذا القصد، لكن القتات النمام: الذي ينقل الحديث مِن قوم إلى قوم، فسكن الرجل، وطابت نفسه" (تاريخ الإسلام للذهبي) .
فالتسليم والاستسلام للواحد الديان هو روح الإسلام ؛ فلا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان إلا بالإذعان والاستسلام للوحي المنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وسنة؛ فلم يكن الاقتناع العقلي شرطـًا عندهم للانقياد والإذعان، بل كان الواحد منهم يمتثل الشرع سواء اقتنع أم لا؟ فهم العلة أم لا؟
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: " لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ" ( رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وهكذا ينبغي أن يكون حال كل مسلم مع الله ووحيه وشريعته ومع رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (النور:51) ، وهذا خلاف حال أهل الضلالة والكفر والنفاق الذين قال الله في شأنهم: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ) (النساء:61) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: " إ ن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحكِ الله -سبحانه- عن أمة نبي صَدَّقت نبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسَلَّمت وأذعنت، وما عرفت م ِ ن الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه مِن شأنها " ( الصواعق المرسلة) .