شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علماء يمنعون زواج الصغيرة دون أن يطعنوا في الأحاديث الصحيحة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أشرتُ في أكثر مِن مناسبة إلى أن بعض مَن يهاجمون سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويطعنون في أصح دواوينها (البخاري ومسلم)؛ يحاولون أن يصوروا للناس أن تضعيف الأحاديث الصحيحة "بل والطعن في التراث جملة وتفصيلاً!" هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نتفادَى بها بعض الشبهات التي يروِّج لها المستشرقون حول الإسلام! ومِن أكثر هذه الشبهات شيوعًا -الآن- ما يُسمَّى بمسألة: "زواج الصغيرة".

وهم ينطلقون في ذلك مِن أصلين:

الأول: أن نكاح الصغيرة أمر في غاية النكارة، وبعضهم يتعمد إغفال الفرق بيْن العقد والدخول، والبعض الآخر يذكر الفرق، ومع هذا؛ فيستنكر غاية الاستنكار أن يتم العقد على صغيرة دون إذنها حتى لو أُجِّل الدخول إلى حين الاستطاعة!

الثاني: أنه لا يمكن أن نتفادى مِن الناحية الفقهية القول بجواز عقد زواج الصغيرة إلا بأن نضعِّف الأحاديث التي رواها البخاري عن سِن عائشة -رضي الله عنها- عند زواجها مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم يضيف هؤلاء إلى هذا مسألة أخرى، وهي: الخلط بيْن مناقشة مسألة جواز تزويج الصغار، ومسألة رفع الأمم سن الزواج إلى الحد الأقصى لسن البلوغ (18 سنة)، رغم اليقين بأن الغالبية العظمى يَبلغُون بالفعل قبْل هذا السن! ونحاول في هذه المقالة أن نناقش المسألة بشيء مِن التأصيل العلمي.

أولاً: سن زواج عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- متفق عليه بين المحدثين وأصحاب السير:

روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ".

وهذا الحديث مروي بلفظه -أو بمعناه- في معظم دواوين السنة، كما رواه أهل السِّير واعتبروه مِن الأمور المتفق عليها بينهم.

قال ابن عبد البر -رحمه الله- في الاستيعاب: "ولا أعلمهم اختلفوا في هذا".

وقال ابن كثير -رحمه الله- في السيرة النبوية: "وهذا مما لا خلاف فيه بيْن الناس".

ثانيًا: الأصل في التشريع عدم تزويج الصغيرة حتى تبلغ وتستأذَن:

مع ثبوت حديث عائشة -رضي الله عنها-، فإن النصوص العامة الواردة في هذا الباب تقتضي عدم تزويج الصغار "ذكورًا وإناثًا"؛ وذلك لقوله -تعالى-: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) (النساء:6) ؛ فعلق الاستقلال بالمال على البلوغ راشدين، وعبَّر عن البلوغ بقوله: ( إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ )، وفي حق المرأة خاصة ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: ( وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ( أَنْ تَسْكُتَ ) (متفق عليه) ، ولاحِظ أن البخاري روى حديث عائشة وروى هذا الحديث، ويبقى الفقه في التعامل مع نصوص الوحي والاستفادة منها.

ثالثًا: الجمع بين النصوص:

في هذه المسألة نمتلك نصًّا عامًّا، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ )، ونمتلك "واقعة عَيْنٍ" فعل فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يخالف هذا النص العام.

فائدة: "تعارض العام والخاص":

إذا تعارض عام وخاص؛ حمل الخاص على خصوصه، وعمل بالعام فيما عدا ما خصص، ويُسمى هذا تخصيصًا.

ولنضرب على ذلك مثالا مِن الحياة الواقعية:

فنقول: إذا أعلن وزير التعليم -مثلاً- عن موعد ابتداء العام الدراسي أنه في يوم (س) فهذا نص عام يشمل جميع محافظات الجمهورية، ثم إذا جاء وكيل وزارة التعليم في محافظة (أ) فأعلن موعد ابتداء العام الدراسي في ذات الموعد (س) فهذا يكون من باب التأكيد، وأما إذا جاء وكيل الوزارة في محافظة (ب) فأعلن عن ابتداء الدراسة في موعد آخر (ص) فيعلم أن هذه المحافظة لها موعد خاص، ويُسمى هذا تخصيصًا فتعمل جميع المحافظات بالموعد (س) إلا المحافظة المخصصة فتعمل بالموعد (ص).

مثال شرعي:

- قوله -تعالى-: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُم الْمَيْتَة ) (المائدة:3) ، مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ، وَالْجَرَادُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

- وقوله -تعالى-: ( وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) (البقرة:221) ، مع قوله -تعالى-: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ) (المائدة:5) .

وهنا يأتي دور "العلماء" في تحديد قدر التخصيص الوارد بهذا الفعل مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا النص العام؛ فاختلفوا على مذاهب.

رابعًا: مذاهب العلماء في تزويج الصغار:

المذهب الأول: "مَن قـَصَرَ التخصيص في أضيق حد، ورأى أن هذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-": ويطبَّق في حق باقي الأمة النص العام مِن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ).

ولا شك أن التخصيص هنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يناسب كماله -صلى الله عليه وسلم- الخلقي والخلقي كأعلى ما يكون مِن الكمال البشري، وهذا لسرعة نضج عائشة -رضي الله عنها- مِن الناحية العقلية والنفسية وعظيم النعمة عليها بزواجها مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد ذهب إلى هذا "ابن شبرمة" مِن تابعي التابعين.

المذهب الثاني: "مَن قصر تزويج الصغيرة على "الأب"، وعلى أن يُقيَّد البلوغ بالإطاقة": وهؤلاء نظروا إلى أن الأصل في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- التشريع العام، ووجدوا أن في إباحة هذا الأمر -مع أنه خلاف الأصل- رخصة وتوسعة قد يُحتاج إليها؛ كمن تعيش مع وليها في بلاد غربة ويريد أن يعقد لها على مَن يثق فيه حتى إذا مات لحقتْ بأهل زوجها.

وهؤلاء نظروا مع هذه الرخصة إلى أمرين:

الأول: أن هذا استثناء مِن التشريع العام؛ فلا ينبغي أن يُتجاوَز به قدره.

الصفحة التالية