شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علماء يمنعون زواج الصغيرة دون أن يطعنوا في الأحاديث الصحيحة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

الآخر: أن هذه الرخصة قد يُساء استعمالها مِن قِبَل ولي المرأة؛ فانتهى نظرهم في المسألة إلى قصر هذه الرخصة على الأب؛ لعظيم شفقته على ابنته، ولأنه يؤمَن ألا يُسيء استعمال هذه الرخصة، ومنعوا منه إذا كان مَن يزوِّج المرأة جدها أو ابنها أو أخوها أو عمها، وهذا هو مذهب مالك -رحمه الله-.

المذهب الثالث: مَن قصَر تزويج الصغيرة على "الأب والجد"، وعلى أن يقيَّد البلوغ بالإطاقة:

وهو كسابقه في كل شيء إلا في مسألة أن الأصل عند هؤلاء أن الجد أب؛ فيلحق به في كل الأمور أخذًا مِن قوله -تعالى-: ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) (يوسف:38) ، وهذا هو مذهب الشافعي.

المذهب الرابع: مَن أعطى هذه الرخصة لكل الأولياء:

وهذا مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، والذي وجد أن تُترك هذه الرخصة في يد الولي أيًّا ما كان؛ ثقة في أن أي ولي ابنًا كان أو أخًا أو عمًّا يبحث في العادة عن مصلحة مُوَلِّيَتِه.

المذهب الخامس: اعتبار هذه الرخصة منسوخة بحديث: (وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ):

وقد ذهب إلى هذا العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني مِن المعاصرين، ومذهبه مِن الناحية العملية متطابق مع مذهب ابن شبرمة، ولكنه يختلف معه في التوجيه الفقهي.

خامسًا: مِن آثار اعتبار حديث: (وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) هو الأصل:

الأثر الأول: تأكُّد استحباب عدم الأخذ بهذه الرخصة ما لم تدعُ إلى ذلك حاجة: وبغض النظر عن الدرجة التي نظر بها كل فقيه ما بيْن قاصر لها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبين موسع لها لكل ولي صغيرة، مرورًا بمن يقصرها على الأب، أو الأب والجد معًا؛ فيبقى أن الأصل هو إعمال الحديث.

قال النووي -رحمه الله- "وهو ممن يقول بقصر هذه الرخصة على الأب والجد": "وَيُسْتَحَبُّ أَلا يُزَوِّج الأَب وَالْجَدّ الْبِكْر حَتَّى تَبْلُغ، وَيَسْتَأْذِنهَا؛ لِئَلا يُوقِعهَا فِي أَسْر الزَّوْج وَهِيَ كَارِهَة، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لا يُخَالِف حَدِيث عَائِشَة؛ لأَنَّ مُرَادهمْ أَنَّهُ لا يُزَوِّجهَا قَبْل الْبُلُوغ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَصْلَحَة ظَاهِرَة يَخَاف فَوْتهَا بِالتَّأْخِيرِ كَحَدِيثِ عَائِشَة، فَيُسْتَحَبّ تَحْصِيل ذَلِكَ الزَّوْج؛ لأَنَّ الأَب مَأْمُور بِمَصْلَحَةِ وَلَده فَلا يُفَوِّتهَا" (شرح النووي على صحيح مسلم) .

الأثر الثاني: جواز منع هذه الرخصة متى أسيء استخدامها: وممن ذهب إلى هذا مِن المعاصرين العلامة "ابن عثيمين" -رحمه الله- حيث قال في شرحه على "صحيح البخاري": "تقدَّم لنا أن الرجل يجوز أن يزوِّج ابنته الصغيرة إذا كانت بكرًا، ومعلوم أن الصغيرة لا إذن لها؛ لأنها لم تبلغ، وهذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بالحديث الذي ذكره المؤلف -رحمه الله-، وبعضهم حكى الإجماع على أن للأب أن يزوِّج ابنته الصغيرة بدون رضاها؛ لأنه ليس لها إذن معتبر، وهو أعلم بمصالحها، ولكن نقل الإجماع ليس بصحيح؛ فإنه قد حكى ابن حزم عن ابن شبرمة أنه لا يصح أن يزوج ابنته الصغيرة حتى تبلغ، وتأذن؛ وهذا عندي هو الأرجح، والاستدلال بقصة عائشة فيه نظر، ووجه النظر أن عائشة زُوِّجت بأفضل الخلق -صلى الله عليه وسلم-، وأن عائشة ليست كغيرها مِن النساء؛ إذ أنها بالتأكيد سوف ترضى وليس عندها معارضة، ولهذا لـمَّا خُيرت -رضي الله عنها- حين قال لها النبي -صلى لله عليه وسلم- بأن لا عليها أن تستأمر أبويها؛ فقالت: إني أريد الله ورسوله. ولم تُرِدْ الدنيا ولا زينتها.

ثم إن القول بذلك في وقتنا الحاضر يؤدي إلى مفسدة -كما أسلفنا سابقًا-؛ لأن بعض الناس يبيع بناته بيعًا، فيقول للزوج: تعطيني كذا، وتعطي أمها كذا، وتعطي أخاها كذا، وتعطي عمها كذا... إلى آخره!

وحين تكون قد كبرت فإذا هي قد زُوجت فماذا تصنع؟!

وهذا القول الذي اختاره ابن شبرمة؛ ولا سيما في وقتنا هذا، هو القول الراجح عندي، وأنه يُنتظر حتى تبلغ ثم تُستأذن، فعائشة -رضي الله عنها- تزوجها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي بنت ست سنين، يعني قبل أن تبلغ سنَّ التمييز، وتوفي عنها بعد تسع سنين؛ حيث توفي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في السنة الحادية عشرة مِن الهجرة فهذه تسع سنوات؛ إذن توفي عنها ولها ثماني عشرة سنة، ومع ذلك أدركت هذا العلم العظيم الذي ورثته الأمة من بعدها" اهـ .

فنراه ها هنا رغم ترجيحه لمذهب ابن شبرمة الذي خصَّ المسألة برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا أنه تنزلاً مع مذهب الجمهور قد قرر أن ما استجد مِن فساد أهل هذا الزمان يرجح الرجوع للأخذ بمذهب المضيقين في هذه الرخصة في زماننا هذا.

وقال أيضًا: "فالذي يظهر لي أنه مِن الناحية الانضباطية في الوقت الحاضر، أن يُمنع الأبُ مِن تزويج ابنته مطلقًا حتى تبلغ وتُستأذن، وكم مِن امرأة زوَّجها أبوها بغير رضاها، فلما عرفت وأتعبها زوجها قالت لأهلها: إما أن تفكوني مِن هذا الرجل، وإلا أحرقت نفسي، وهذا كثيرًا ما يقع؛ لأنهم لا يراعون مصلحة البنت، وإنما يراعون مصلحة أنفسهم فقط، فمنع هذا عندي في الوقت الحاضر متعين، ولكل وقت حكمه.

ولا مانع مِن أن نمنع الناس مِن تزويج النساء اللاتي دون البلوغ مطلقًا؛ فها هو عمر -رضي الله عنه- منع مِن رجوع الرجل إلى امرأته إذا طلَّقها ثلاثًا في مجلس واحد، مع أن الرجوع لمن طلَّق ثلاثًا في مجلس واحد كان جائزًا في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأبي بكر، وسنتين من خلافته، والراجح أنها واحدة.

ومنع مِن بيع أمهات الأولاد، فالمرأة السُّرِّيَّة عند سيدها إذا جامعها وأتت منه بولد صارت أم ولد، وفي عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر، كانت تباع أم الولد، لكن لما رأى عمر أن الناس صاروا لا يخافون الله، ويفرِّقون بين المرأة وولدها، منع -رضي الله عنه- مِن بيع أمهات الأولاد. وكذلك أيضًا: أسقط الحد عن السارق في عام المجاعة العامة".

سادسًا: حيل البعض لرد هذه الأحاديث الصحيحة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية