علماء يمنعون زواج الصغيرة دون أن يطعنوا في الأحاديث الصحيحة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
وقد أُثير هذا الأمر حينما حاولت الدولة العثمانية والدولة المصرية بعدها وضع حد أدنى لسن الزواج؛ فأيده بعض علماء الأزهر، ومنهم: "الشيخ الخضري" -رحمه الله-، وعارضه وبقوة معظم علماء الأزهر، وعلى رأسهم العلامة: "محمد بخيت المطيعي" شيخ الأحناف في زمانه، وممثل الأزهر الوحيد في لجنة دستور 1923م، وصاحب اقتراح مادة: "الإسلام دين الدولة" التي تضمنها هذا الدستور.
وقد احتج "محمد الخضري بك" بمذهب ابن شبرمة في منع زواج الصغيرة، ورد عليه الشيخ "محمد بخيت المطيعي" بمناقشة في مسألة زواج الصغيرة، إلا أنه عاد وقرر ما قررنا هنا مِن أن حتى القائلين بجواز تزويج الصغيرة لن يتحمسوا له كثيرًا في هذا الزمان -"كان هذا في عام 1923م"-، ولكن المشكلة التي أرَّقت الشيخ محمد بخيت المطيعي وغيره مِن العلماء هي منع زواج البالغين، أو إهدار كل علامات البلوغ وقصر البلوغ على بلوغ سن 18 عامًا!
ومما قاله في ردٍّ له في مقال طويل نقله عنه العلامة "محمد رشيد رضا" صاحب "المنار" جاء فيه: "والإجماع قائم على أن الصبي والصبية متى بلغا الحلم بأن حاضت الصبية أو احتلمت أو حبلت، وكانت رشيدة وقت بلوغها؛ وجب تسليم أموالها إليها بدون تأخير, ولو كانت بنت تسع سنين, وكذلك الصبي إذا احتلم أو أحبل امرأته وتبيَّن رشده وقت البلوغ وجب تسليم أمواله إليه, ولو كان سنه اثنتي عشرة سنة بدون تأخير, ولا اعتبار بالسن في هاتين الحالتين، وأما إذا لم تحض الصبية ولم تحتلم ولم تحبل, ولم يحتلم الصبي ولم يحبل امرأته؛ كان بلوغهما حينئذٍ بالسن, وهو خمس عشرة سنة عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد، وهي رواية عن أبي حنيفة, وعليها الفتوى عند الحنفية, كما أن العادة الفاشية أن الصبي والصبية يصلحان للزواج وثمراته في هذه المدة ولا يتأخران عنها.
وشاع عن الإمام الأعظم أن السن للصغير ثمان عشرة, وللصبية سبع عشرة سنة، وعلى كل حال؛ فاعتبار السن أمارة للبلوغ وحدًّا له متأخر بالإجماع عن اعتبار الحيض والاحتلام حدًّا للبلوغ وأمارة له, فلا يصار إليه إلا عند عدمهما, لا فرق في ذلك بيْن أن يزوج الإنسان نفسه، أو يزوجه وليه بإذنه على اختلاف المذاهب في تفصيل ذلك وبيْن أن يملك التصرف في ماله، ومتى بلغ بالسن -على اختلاف المذاهب-؛ فإن كان رشيدًا وجب تسليم ماله إليه عقب بلوغه هذا السن, وإن كان سفيهًا وجب الحجر عليه على قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد ومَن وافقهم, ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة، بل يؤخر ماله إليه إلى أن يبلغ سنه خمسًا وعشرين سنة, فإنْ بلغ تلك السن سُلِّم إليه ماله على كل حال" (مجلة المنار 25/ 125) .
ومِن هنا يُعلم أن القضية التي تحتاج إلى بحث شرعي واجتماعي منصف عميق، هي قضية سن الطفولة وما يرتب عليها مِن آثار، ويتبين أنه لو بُحثت جميع الأمور تحت "مظلة الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين"؛ لاندثر الخلاف، أو قلَّ وانضبط على أقل التقديرات.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.