علماء يمنعون زواج الصغيرة دون أن يطعنوا في الأحاديث الصحيحة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
مما سبق يتضح لنا تطبيقًا عمليًّا لقوله -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ) (آل عمران:7) .
فينبغي على عامة الناس ممن لم تثبت أقدامهم في علوم الشريعة إذا وقعتْ لهم الشبهة أو أشكل عليهم بعض الأمور المتشابهة أن يردوها إلى الراسخين في العلم، وقد رأينا كيف تعامل الأئمة الأعلام مع هذه المسألة قديمًا، وكيف تعامل العلماء الأثبات مع هذه المسألة حديثًا، وكيف أدركوا المحكم والمتشابه، والثابت والمتغير من الشريعة دون أن يطعنوا في تراث الأمة أو يهدموا بناءها الحضاري، فضلاً عن منهجها العقدي والعبادي والعملي!
وأما مَن ليس كذلك في العلم الشرعي -وإن كان ذكيًّا لامعًا "كالعقاد"- فمِن الوارد أن يخطئ خطئًا فاحشًا؛ فضلاً عمن ليس له حظ مِن العلم الشرعي ولا الذكاء الفطري.
وقد وقع "العقاد" -رحمه الله- في ورطة محاولة تزييف التاريخ، وتغيير سن زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن عائشة؛ استغلالاً لحالة كتب السيرة التي يَغلب عليها أن يكون للواقعة الواحدة عدة روايات فيها، وهذا راجع إلى أن الصحابة والتابعين اعتنوا عناية فائقة بحفظ كل ما له علاقة بالتشريع، وأما القصص فقد جمعها ابن إسحاق مِن لسان عجائز عصره، فاختلفوا اختلافاتٍ واضحة، ومع هذا فلم تختلف كتب الحديث ولا كتب السيرة في سن عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن العقاد -سامحه الله- لجأ إلى الروايات الواردة في سن أسماء وفاطمة -رضي الله عنهما-، والروايات الواردة في تواريخ زواجهما، مع أن هذه الروايات ليست مسندة ولا تنطبق عليها معايير القبول التي ارتضاها الله لنا في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات:6) .
وفي النهاية وباستعمال طريقة طرح التواريخ بعضها مِن بعض، وصل بنا إلى أنَّ سن عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان اثني عشر سنة، وهو سن كان مقبول اجتماعيًّا في زمن العقاد -رحمه الله-، ولم يعبأ العقاد بأنه صادم المرويات الصريحة لذات المراجع التي احتج بها بعد عملياته الحسابية، ولا دار في خلده أن ذات السنِّ الذي استحسنه وروى النصوص التاريخية للحصول عليه سوف يصبح يومًا ما ليس مقبولاً اجتماعيًّا، وربما يكون ليس مقبولاً طبيًّا أيضًا؛ مما يؤكد نسبية هذه الأمور عبْر الزمان مِن الناحية الطبية والاجتماعية.
ثم جاء شاب مسلم يسمى "شافاناس"؛ فكتب مقالاً باللغة الإنجليزية حول هذا الموضوع، واستعمل فيه طريقة العقاد، ولكن مع اختلاف المستهدَف، حيث كان السن المستهدف في هذه المرة هو (18)، ثم جاء شاب يدعى "عبد الله بوبنهايم" فترجم مقال "شافاناس" إلى الألمانية، وبعدهما ظهر مقال "البحيري" والذي نشره في اليوم السابع "ويذكر أن اليوم السابع نشرت مقالة للدكتور محمد عمارة في الرد على البحيري حتى قبْل أن يترك البحيري العمل فيها".
وسكت "البحيري" فترة ثم خرج ليجعل مِن هذا البحث المنتحل "غير المنضبط مِن الناحية الحديثية ولا الفقهية ولا التاريخية!" منصة "صواريخ" أطلقها على كتب التراث قاطبة مبتدئًا بصحيح البخاري!
سابعًا: اعتبار سن الطفولة ثمانية عشر عامًا وآثاره في قضية الزواج وغيرها:
مما سبق يتضح أن قضية زواج الصغيرة -نظرًا للتغيرات البدنية والنفسية- في هذا الزمان تقريبًا لم يعد لها حاجة، وإنما المشكلة في تحديد سن يمثـِّل الحد الأدنى للزواج، مع العلم أن البلوغ يحدث عادة في بلادنا قبله، وهذا تماشيًا مع ما قررته الأمم المتحدة مِن اعتبار سن الطفولة ثمانية عشر عامًا!
وهذا يترتب عليه عدة أمور، منها:
أ- تخفيف العقوبات عمَن لم يبلغ هذا السن، ورأينا كيف تقع حوادث اغتصاب، بل وقتلٍ مِن شباب في السادسة عشرة والسابعة عشرة، ومع هذا يُعاملون بقانون الطفل!
ب- ويترتب على هذا: حبس هؤلاء البالغين في دور رعاية الأحداث مع أطفال "لم يبلغوا بالفعل!"، وتحصل الكثير مِن الجرائم بسبب ذلك.
ت- كما أن مروجي المخدرات وعصابات السرقة بالإكراه تتعمد تصدير هؤلاء في جرائمهم لضمان تخفيف العقوبة عليهم.
وكل هذا فرع على اعتبار أفرادٍ بالغين بدنيًّا وجنسيًّا أنهم ما زالوا أطفالاً!
ث- ويبقى أمر الزواج؛ فواضعو هذا السن متأثرين بثقافة بلادهم التي تبيح الحرية الجنسية في سن مبكر، بينما تبالغ في رفع سن الزواج، وبالتالي لا يناسِب هذا المسلمين الذين يحرِّم عليهم دينهم الزنا، وإذا كانت البيئات الحضرية في بلادنا قد ارتفع فيها سن الزواج تلقائيًّا، فإن المناطق الريفية والبدوية مِن بلادنا ما زالوا في حاجة إلى بقاء سن الزواج في حد أدنى من هذا للفتيات، وأحيانًا للفتيان الذين يحصل لديهم النمو الجسدي والاستقلال الاقتصادي في سن مبكر.
ونحن ندعو المنصفين لأن يجروا تحقيقًا ميدانيًّا في الريف المصري حول الآثار الاجتماعية المدمرة لرفع سن زواج الفتيات مِن 16 إلى 18 سنة.
بل إننا نتساءل: هل مِن حقوق الإنسان أن تمنع إنسانًا نضج بدنيًّا واستقل ماليًّا "ويحدث هذا في البادية المصرية قبل سن الـ 18 أحيانًا" مِن تلبية حاجاته الطبيعية؟! وأهم مِن ذلك: إذا كان خالقه -عز وجل- قد أذِن له؛ فبأي حق تمنعه؟!
ثامنًا: كلام الشيخ "محمد بخيت المطيعي" في وضع سن لزواج البالغين: