مشاريع تدبُّر القرآن... ضوابط ومحاذير
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مِن القضايا التي يُجمِع عليها الدعاة والخطباء، بل وربما العامة: أن القرآن نزل ليُتلى وتُفهم معانيه، ويُعمَل بما فيه، ولكن مع هذا حدثت أنواع مِن الاضطراب في هذه المسألة.
وهذا راجع إلى أمورٍ، منها:
1- أن هذا الاتفاق على هذا المعنى لا ينفي حقيقة مستقرة هي الأخرى أن القرآن يُتعبد بتلاوته؛ وبالتالي فتلاوته مطلوبة لذاتها باعتبار الثواب المترتب عليها، وباعتبار إقامة الصلوات بها، ومطلوبة لغيرها مِن جهة أن المطلوب: الفهم لكل ما دلتْ عليه بدلالة المنطوق، وبدلالات المفهوم المختلفة، وسائر طرق الاستنباط.
2- أن هذا الفهم شرط لحصول العلم بدلالة الآيات، والذي لا بد بعده مِن العمل؛ إلا أن استغراق البعض في قضية أن القرآن يُتعبد بتلاوته قد جرَّ إلى أنواع مِن الانحراف، منها ما يدخل في حيز البدع: كوضع المصاحف في مداخل المحال التجارية، وكالاجتماع على القراءة في السرادقات حيث الجميع منصرف حتى عن التلاوة والاستماع؛ فضلاً عما في هذه الاجتماعات مِن مخالفاتٍ شرعية أخرى كثيرة.
3- وعلى صعيد آخر، وفي أوساط مَن يصفون أنفسهم أو يصفهم الناس باتباع السُّنة وُجد مَن يتخصص في علم التجويد أو القراءات دون أن يلم بحدٍّ يَليق بحامل للقرآن مِن معرفة تفسير القرآن.
4- وهذه الظواهر كانت -وما زالت- بحاجة إلى التذكير المتكرر لمواجهة هذه الظواهر السلبية، وهي ظواهر تتواجد في كل زمان ومكان؛ لارتباطها بآفاتٍ بشرية، وحيل شيطانية تستثمر تلك الآفات البشرية مِن النظرة الأحادية أو الانشغال بالمفضول عن الفاضل أو الانشغال بالجزء عن الكل، إلى آخر ذلك.
5- وفي هذا الصعيد خرجتْ دعوات كثيرات تنادي بأن الآفة في ترك تدبر القرآن؛ لا سيما وأن الله -تعالى- قد بيَّن أن الكفار والمنافقين لو تدبروا القرآن لقادهم هذا إلى الإيمان، فقال -تعالى-: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) ، وقال: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (محمد:24) .
6- ومع وضوح القضية والاتفاق العام عليها بدأ البعض يبحث عن وضع تشخيص للمشكلة وعلاج لها، وأُنشئتْ مراكز بحثية وهيئات محلية وعالمية للتدبر، بل ودارتْ رُحى حرب اصطلاحية حول التدبر والفرق بينه وبيْن التفسير، والفرق بينهما وبيْن الاستنباط، وهل الأثر القلبي هو جزء مِن التدبر؟ أو هو التدبر ذاته؟ أو أنه ثمرة له؟!
7- وحاول البعض تقديم أوراق عملية لإعانة الدارسين على التدبر؛ فصاغ الأمر على شكل أسئلة يجب أن يسألها كل واحد لنفسه حول الآية أو حقوق يراجعها، واستعان البعض بطرق مدربي التنمية البشرية الذين يبالغون في تنميق الفكرة وتهويلها في كثير مِن الأحيان، وهي أمور قد تبدو في بداياتها مِن الوسائل المباحة، ولكنها في كثير مِن الأحيان تقود إلى انحرافاتٍ أو بدع أو -على الأقل- تحجير واسع.
ونحن في هذه المقالة بعد هذا الاستعراض نلخِّص أهم النقاط المتعلقة بهذه المسألة:
أولاً: كيف يمكننا أن نفهم القرآن ونعمل به؟
1- معرفة تفسير القرآن وهو مراد الله مِن الآيات، وهذا يشمل أمورًا:
أ- معرفة معاني المفردات، وكلما بعدنا عن زمن التنزيل كلما كانت الحاجة إلى ذلك أمسّ؛ لا سيما في أزمنتنا التي "استعجم فيها العرب" -على حد قول العلامة الألباني رحمه الله-.
ب- معرفة معنى منطوق الآية، وهو ما يسميه بعضهم بالمعنى الإجمالي للآية أو للآيات، ومِن الباحثين مَن يرى أن هذا القدر والذي قبْله هو الأقرب لاسم التفسير، وأن الذي بعده زيادة في العلم بالقرآن وليس داخلاً فيه، ومنهم د."مساعد الطيار" في كتابه: "مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسِّر"؛ وعلى أي فلا مشاح في الاصطلاح، والذي يجب اتباعه لمعرفة هذا التفسير هو: الرجوع إلى القرآن -فآيات القرآن يفسِّر بعضها بعضًا-، ثم إلى السُّنة؛ لقوله -تعالى-: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:44) ، ثم إلى أقوال الصحابة والتابعين؛ لكونهم هم مَن عاصر التنزيل، مع الرجوع فيما لم يُتبيَّن أن الشرع قد عرَّفه بتعريفٍ خاص "كألفاظ: الإيمان، والصلاة، والزكاة، وغيرها... " إلى لغة العرب؛ لقوله -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) (يوسف:2) ، وهذا ما يعيدنا إلى النقطة الأولى (يراجع مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، وشرحه للعثيمين، وأصول في التفسير لابن عثيمين) .
ج- وبعد معرفة معنى منطوق الآية، يأتي إعمال المفهوم مِن مفهوم المخالفة والموافقة -كل بشروطه-، ومِن ربط الآية بغيرها مِن الآيات، ومِن المتفق عليه تسمية هذه العملية بالاستنباط، ولكن: هل الاستنباط مرحلة بعد التفسير أو أنها إحدى مراحله؟ فهذا فيه خلاف، وهو خلاف اصطلاحي، وإن كان مِن المهم التمييز بيْن هاتين المرحلتين بحيث تُعطى الأولى للمبتدئ أو الذي توجهتْ همته إلى الحفظ، ويريد أن يجمع مع الحفظ معرفة إجمالية بكتاب الله.
وأما هل يسمَّى هذا بالتدبر؟ لو تتبعنا كلام العلماء؛ لوجدنا أن كثيرًا منهم يسمِّي عملية الاستنباط تدبرًا، وهذا مِن باب أن التدبر عمل عقلي فيه إعمال النظر في كتاب الله وما دلَّ عليه مِن معانٍ، وسوف نعود إلى ذلك لاحقًا -إن شاء الله-.
والذي يهمنا هنا تقرير الشروط التي ينبغي توافرها في عملية الاستنباط، فكما هو واضح: فإن الاستنباط أعمق مِن التفسير الإجمالي؛ فكيف يلزم أهل العلم قديمًا وحديثًا مَن يطلب معنى الآيات بالرجوع إلى الكتاب والسُّنة وأقوال السلف، بالإضافة إلى اللغة، ثم يأتون إلى ما هو أوسع ويحتاج إلى نظر أشمل؛ فيجعلونه كلأً مباحًا، كما يزعم بعضهم!