مشاريع تدبُّر القرآن... ضوابط ومحاذير
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
وقد جمع ابن القيم -رحمه الله- ضوابط ذلك في "التبيان في أقسام القرآن" فقال: "وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون. وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف. وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحو إليه كثير مِن الصوفية وغيرهم؛ وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: أن لا يناقض معنى الآية. وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه. وأن يكون في اللفظ إشعار به. وأن يكون بينه وبيْن معنى الآية ارتباط وتلازم؛ فإذا اجتمعتْ هذه الأمور الأربعة كان استنباطـًا حسنًا".
إذن هذه المراتب الثلاث لمعرفة معنى الآية: "معاني المفردات - المعنى الإجمالي أو منطوق الآية - الاستنباطات على تنوعها".
ثانيًا: التدبُّر وعلاقته بالتفسير:
يقول الشنقيطي -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (ص:29) : "وقد ذكر -جلَّ وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه أنزل هذا الكتاب معظمًا نفسه -جلَّ وعلا- بصيغة الجمع، وأنه كتاب مبارك، وأن مِن حِكَم إنزاله أن يتدبر الناس آياته، أي: يتفهموها ويتعقلوها ويمعنوا النظر فيها، حتى يفهموا ما فيها مِن أنواع الهُدى، وأن يتذكر ( أُولُو الْأَلْبَابِ ): أي يتعظ أصحاب العقول السليمة مِن شوائب الاختلال".
ويقول الشيخ العثيمين في كتابه أصول في التفسير: "والتدبر هو التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، فإذا لم يكن ذلك فاتت الحكمة مِن إنزال القرآن، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها؛ ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه".
والمقصود أن هاهنا أمرين:
الأول: معرفة المعنى "معنى الألفاظ - المعنى الإجمالي - المعاني المستنبطة منها".
الثاني: الانتفاع بها، وهو يشمل أمرين:
أ- عقلي: وهو الوصول إلى إدراك أن مثل هذا الكلام لا يأتي به البشر، وما شابه ذلك مِن المعاني العقلية.
ب- قلبي: وهو امتلاء القلب بالتعظيم لهذا الكلام، والحب لمُنزِّله -عز وجل- والخوف منه، ورجاؤه، وهكذا... بحسب المعاني المقصودة مِن كل آية مِن آي القرآن الكريم.
فهل التدبر هو معرفة معنى الألفاظ، أو أنه معرفة المعنى الإجمالي، أو أنه التفكر العقلي في الآيات لاستخراج كل ما فيها مِن دقائق الاستنباط، أو أنه النتيجة العقلية لهذه العملية العقلية، أو النتيجة القلبية لهذه العملية العقلية؟
في الواقع إن تحرير كل هذا قد يؤول إلى الخلاف اللفظي، إذا استحضرنا بعض الأمور، والتي منها:
1- أن معرفة المعنى مطلوب أساسي سواء قلنا بدخوله في اسم التدبر أم لا؟
2- أن معرفة المعنى له قواعد سبق بيانها لكل نوع مِن أنواع معرفة المعنى: "معنى اللفظ - المعنى الإجمالي - الدقائق والاستنباطات العلمية".
3- أنه لا يكفي معرفة المعنى حتى يعمل فيه الفكر للوصول إلى المعنى العقلي والقلبي المقصود.
وهذا ما يتضح مِن نُقُول العلماء في تفسير الآيات الداعية للتدبر التي تقدَّم بعضها، ومِن ذلك: قول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ): "يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَنَاهِيًا لَهُمْ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَعَنْ تَفَهُّمِ مَعَانِيهِ الْمُحْكَمَةِ وَأَلْفَاظِهِ الْبَلِيغَةِ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا اضْطِرَابَ، وَلَا تَضَادَّ وَلَا تَعَارُضَ؛ لِأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، فَهُوَ حَقٌّ مِنْ حَقٍّ؛ وَلِهَذَا قَالَ -تَعَالَى-: ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ). ثُمَّ قَالَ: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ) أَيْ: لَوْ كَانَ مُفْتَعَلًا مُخْتَلَقًا، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ جَهَلَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي بَوَاطِنِهِمْ ( لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) أَيْ: اضْطِرَابًا وَتَضَادًّا كَثِيرًا. أَيْ: وَهَذَا سَالِمٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ -تَعَالَى- مخبرًا عن الراسخين في العلم حَيْثُ قَالُوا: ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) (آلِ عِمْرَانَ:7) ، أَيْ: مُحْكَمُهُ وَمُتَشَابِهُهُ حَقٌّ؛ فَلِهَذَا رَدُّوا الْمُتَشَابِهَ إِلَى الْمُحْكَمِ فَاهْتَدَوْا، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ رَدُّوا الْمُحْكَمَ إِلَى الْمُتَشَابِهِ فغووا؛ وَلِهَذَا مَدَحَ تَعَالَى الرَّاسِخِينَ وَذَمَّ الزَّائِغِينَ"
ثالثًا: العلم والعمل:
المطلوب مِن الأمة ككل أن تعلم الحق وتعمل به، ولتفاوت همم الناس كان طلب العلم مِن فروض الكفايات، قال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة:122) .
والعامة لا بد لهم مِن العمل، ولكنهم في العلم لا يلزمهم معرفة الدليل؛ فضلاً عن معرفة الدليل بشرحه وطرق الاستنباط منه، وإنما فرضهم السؤال، قال الله -تعالى-: ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) .
وأما العلماء وطلبة العلم الذين يتمكنون مِن معرفة الدليل؛ فيلزمهم العمل مِن باب أولى.
تعليق حول تعلم الإيمان والقرآن: