متلازمة الإسلام "والجَمَل" عند الصحفيين... مِن أين جاء الوهم؟! ومَن يملك العلاج؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي أواخر عام 2010م كتب الصحفي "سليمان جودة" في جريدة "المصري اليوم" مقالاً، انتقد فيه "دعاء السفر" على طائرات مصر للطيران! وناشد الفريقَ "أحمد شفيق" وزير الطيران المدني حينئذٍ، وبالغ في الثناء على جهوده وإنجازاته وتطويره - أن تمتد يد تطويره البيضاء لتقتلع هذا الدعاء، وتضع بدلاً منه دعاءً يشجـِّع على التفاؤل! ولكن القـَدَر لم يُمهِل الفريق "شفيق" ليقرأ الرسالة -فضلاً عن أن يستجيب لها-؛ فقد اندلعت "ثورة 25 يناير 2011م"، ورقي الفريق "شفيق" إلى منصب رئيس وزراء، ثم خرج مِن الوزارة، إلى غير ذلك مِن الأحداث التي يعلمها الجميع.
والآن وبعد مرور أربعة أعوام بالتمام والكمال؛ خرج علينا الدكتور "وحيد عبد المجيد" ليكرر نفس المقالة! كأن صحفيي مصر لا يشغلهم إلا اجتثاث هذا الدعاء مِن طائرات مصر؛ لأنه -فيما يبدو- هو الطريق الوحيد نحو الديمقراطية والحرية! وهو السبيل الأوحد: "لإصلاح منظومة التعليم - وتحسين مستوى الصحة - و... !".
ولا يحق لكَ -عند هؤلاء- إن كنتَ مسافرًا أن تجد مَن يذكِّرك بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل تجد مَن ينكر ذلك دون أن يكون لكَ أن تستعمل معهم نفس حجتهم -على الأقل- في أنه لا ينبغي أن ينشغلوا بهذه الأمور الشكلية، وليُركِّزوا في الجوهر، وأن المسافر على خطوط مصر للطيران إن كان ولا بد أن يتحفنا بمقالة بعد رجوعه؛ فلا بأس أن يحدثنا عن انضباط المواعيد، وعن الخدمات الطبية على الطائرة، وعن كذا، وكذا... إذن فليس أمامك إلا أن تَدخل في ساحة المناقشة الجادة لهذه المعضلة التي لم تخفف مِن وطأتها الأحداث الجسام التي مرتْ بها مصر، والنظامان اللذان سقطا، والدماء والأشلاء... وكأننا حللنا كل مشاكلنا ولم يبقَ إلا "أزمة" دعاء السفر!
وقد تضمنتْ أفكار الدكتور "وحيد عبد المجيد" ذات أفكار الأستاذ "سليمان جودة" وزيادة! ومِن ثَمَّ فسوف أنقل لكم نص المقال الذي كتبتُه في الرد على "سليمان جودة" حينئذٍ.
ولكن بعد أن أناقش الفكرتين اللتين زادهما الدكتور "وحيد"، وهما:
- أن هذا الدعاء هو جزءٌ من حزمة التجارة بالدين التي انتشرت في السبعينيات!
- أن هذا الدعاء يجعله يشعر أنه يركب جملاً لا طائرة!
أما الفكرة الأولى: فثمة مغالطة كبيرة؛ إذ يُصر التيار المدني الذي ينادي بالإرادة الشعبية أن يحتقر الإرادة الشعبية في مرحلة السبعينيات وما بعدها "والمستمرة إلى الآن"، وأن يصفها تارة بأنها كانت متاجرة مِن السلطة، وتارة متاجرة من التيارات الدينية، ولا يذكرون لنا مَن الذي تاجر على مَن؟! ومَن الذي ربح مِن مَن؟!
- وفي مثالنا هذا: هل تاجرت "مصر للطيران"؟!
حسنًا يبقى السؤال: على مَن تاجرت؟!
تاجرت على الركاب مثلاً؟!
فماذا نستنتج؟!
- في الواقع: إن كل الأسئلة والأجوبة سوف تؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي أن الشعب كان وما زال يريد زيادة مساحة التدين في حياته "بالطبع توجد مشكلات اجتماعية متجذرة لا تتفق مع الدين، ولكن هذا لا ينفي التوجه العام في اتجاه التدين على الأقل ما لم توجد عوائق".
وإن آفة التيار المدني بشقيه: "اليساري، والليبرالي" -وقد تنقَّل الدكتور وحيد بينهما- أنه لا يريد الاعتراف بالواقع، مع أن هذا الاعتراف لا يُلزِمه طبعًا باعتبار هذا الواقع هو الصواب -كما هو الحال مع الإسلاميين تمامًا-، ونحن نرى أن الواقع يقول إن الشعب المصري محب للدين، وإن التيار المدني لا بد أن يعترف بهذا بدلاً من الصراخ المتكرر من تجارة الدين التي يرمون بها الإسلاميين، والأنظمة الحاكمة من أيام الملكية، ومرورًا بـ"عبد الناصر" و"السادات"، بل و"مبارك"؛ فضلاً عن "محمد مرسي" بالطبع!
أما القضية التي تحتاج إلى علاج جذري، والتي ندعو جميع هؤلاء -وعلى رأسهم الدكتور وحيد- إلى مراجعة مواقفهم منها، فهي قضية دينهم الذي دانوا له بأنفسهم؛ وإلا فلماذا إذن تقفز في ذهنهم "الجمَال" كلما ذكر الإسلام، وهذا الذِّكْر هو محض ذكر لله، وتوكل عليه، واستعاذة به مِن أنواع المخاوف التي هي في ركوب الطائرة أضعاف أمثالها في ركوب الجمَال؟! "أرجو ألا يعتبر بعض المتحذلقين المتنورين أن هذه دعوة للعودة لركوب الجمال كما هي عادتهم في توهم أن كل مَن يدعو إلى التطبيق الشامل للإسلام؛ فليس هذا إلا لرغبة دفينة عنده في العودة إلى الجمَال" - فأدعو الدكتور "وحيد" -وغيره- أن يُراجِع موقفه مِن هذه القضية.
نعم، نزل القرآن في عصر الجِمَال، ولكن الله -تعالى- قال: ( وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:8) .
نعم، نزل الإسلام في عصر الجمَال، ولكن ما فيه مِن أخلاق وآداب "ومنها: ذكر الله" يصلح في عصر الجِمَال، وفي عصر الطائرات، بل إن الاستعاذة الواردة في السفر أليق بعصر الطائرات منها بعصر الجمَال كما بيَّنتُ في الرد على "سليمان جودة".
نعم، نزل الإسلام في عصر الجمَال، لكن أحكامه صالحة لعصر السيارات، والطائرات، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن دواب الشياطين التي تسع الثلاثة والأربعة ويركبها الراكب منفردًا، وهي لا تكاد تنطبق إلا على السيارات، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ، وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ، فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَأَيْتُهَا يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِجُنَيْبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا فَلا يَعْلُو بَعِيرًا مِنْهَا، وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا ) (رواه أبو داود، وحسنه الحافظ ابن حجر) .
وفيه الدعوة إلى أن يحمل صاحب السيارة زملاءه معه الذين يشاركونه نفس الطريق؛ وإلا لحقه الذم، وصارت "دابته" وكأنها دابة للشيطان يفوت على صاحبها فرصة طيبة "للتكافل الاجتماعي!".
نتمنى أن يَدرس جميع هؤلاء الباحثين هذه القضية بإنصاف وتجرد؛ وحينئذٍ سوف يكتشفون أن متلازمة "الإسلام والجَمَل!" وهْمٌ زرعه المستشرقون، وتوارثه الكثير مِن الدارسين!