شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

متلازمة الإسلام "والجَمَل" عند الصحفيين... مِن أين جاء الوهم؟! ومَن يملك العلاج؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

وأما باقي النقاط التي أثارها الدكتور "وحيد" فقد تناولتها في الرد على الأستاذ "سليمان جودة" قبل أربع سنوات، وإليك هذا الرد كاملاً:

دعاء السفر المأثور... والصحفي المذعور!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإذا كنتَ مسافرًا بالطائرة فسوف تجد حولك حالة مِن الخوف، والقلق، والاضطراب خلفتها التجارب السابقة؛ فكل المسافرين مشتبه فيهم!

ولا بد مِن مرور الحقائب على أجهزة كشف "المفرقعات" حتى حقائب اليد الأنيقة التي لا يشي منظرها بأي نوايا عدوانية لا بد وأن تمر على هذا الجهاز!

ثم لا بد أيضًا من الكشف على الأسلحة البيضاء، ولا تندهش إذا عرفتَ أنه يدخل في تعريف الأسلحة البيضاء "آلة تقليم الأظافر"؛ فكم استُخدِمت مثل هذه الأدوات في أعمال اختطاف لطائرات!

ولا بد مِن مراعاة الوزن؛ فالطائرة ليست مَركبة أرضية إذا حملتها وزنًا زائدًا تباطأت حركتها فحسب، بل إن الأمر يمكن أن يؤدي إلى سقوط في بحر أو مفازة لا يُعرف لها مدخل من مخرج.

ولا بد من الكشف الهندسي على الطائرة مع كل رحلة، وكم من طائرة عطلت رحلتها من أجل استبدال أجزاءٍ كانت تطير بها للتو في رحلتها السابقة.

ولا بد في ذات الوقت من الكشف عن الحالة الصحية والذهنية والنفسية لطاقم الطائرة.

ثم يصعد الركاب إلى الطائرة وقد أثقلتهم الإجراءات، وشوش ذهنهم بكثرة الأخطار.

ومع كل هذه الاحتياطات فما زالت المفاجآت ممكنة مِن عاصفة جوية مفاجئة، أو مرض مفاجئ يصيب قائد الطائرة أو عمل معادٍ إلى غير ذلك... ومن ثمَّ فتنص لوائح هيئة الطيران المدني العالمية على وجوب إعطاء محاضرة في كل رحلة عن كيفية مواجهة الطوارئ؛ فتأتي المضيفة لتشرح للركاب أماكن سترات النجاة، وكيف يرتدونها إذا حدث للطائرة مكروه، وكيف الحال إذا اضطروا إلى القفز مِن الطائرة، وهي على ارتفاع كذا ألف قدم! وكيف الحال إذا كانت الحادثة فوق الماء، وكيف الحال إذا كانت فوق الجبال أو الغابات أو الصحاري!

وكيف... ؟! وكيف... ؟!

يُلقى كل هذا على الراكب المشغول الذهن أصلاً بأهل قد خلَّـفهم، وبرحلة يستقبلها؛ فتجتمع على قلبه هموم، وتملأ قلبه خواطر وأفكار.

وهذا كله فرع على أن الإنسان جاهل عاجز لا يعلم كثيرًا من الواقع؛ فضلاً عن الغيب، فربما كان على متن الطائرة مَن يريد بها السوء وهولا يدري، وربما قصَّر الفنيون في مراجعة أحوالها الفنية، وربما... وربما...

وربما هاجت الريح أو ثارت عاصفة ترابية أو غيرها من الأمور القدرية، ثم إذا علم ووجدت الريح أو هاجت العاصفة؛ فإنه يعجز عن السيطرة على الكون أو التحكم فيه، وما يملكه من ذلك أقل بكثير مما لا يملك؛ فيعجز إذا وجد اضطرابًا في بطنه أن يمنع القيء الذي إذا حدث أذاه وآذى مَن بجواره؛ فكان المنظر كئيبًا له، ولمن حوله.

فماذا يفعل الناس في مواجهة هذه الخواطر والمخاوف؟!

هناك مَن يحاول أن يتشاغل بشاغل آخر مما حل أو حرم: كالنوم، أو قراءة المجلات، أو سماع الأغاني والموسيقى، وربما شرب بعضهم الخمر -والعياذ بالله-!

وهؤلاء الذين يفرون من معالجة القلق في موقف تلو آخر، لا يفرون منه في الحقيقة، بل تجتمع المواقف على قلوبهم حتى تأتي عليها؛ فيصير مريضًا بالقلق حتى وإن لم يكن هناك ما يقلق، وهناك مَن يرتدي شيئًا حقيرًا في يده أو في عنقه يُسمى بالحظاظة -قطعة من الجلد أو المعدن-؛ فيهرع إليها يطيل إليها النظر ويتحسسها بيده متأملاً فيها تأمل الشارد، فيبقى في شروده ظانًا أن هذا الشيء قد نفعه، وإنما سكنه كفعل شارب الخمر تمامًا، بل أسوأ؛ فإن مثل هذا الرجل يصير عبدًا لتلك الحظاظة الحقيرة حتى إذا فقدها ربما يقتل نفسه أو يعيش حياته وهو إلى الموت أقرب منه إلى الحياة!

وأما أهل الإيمان:

فيعرفون أنهم فقراء، ولكنهم يعبدون الغني الحميد.

ويعرفون أنهم ضعفاء، ولكنهم يلجئون إلى القوي المتين.

ويعرفون أنهم جهلاء، ولكنهم يتوكلون على العليم الخبير.

أهل الإيمان لا سيما مَن يتبع منهم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُقدِموا على سفرهم إلا بعد الاستخارة.

أهل الإيمان تخلصوا مِن جزءٍ كبير من القلق على أهليهم حينما استودعوهم الله -تعالى- الذي لا تضيع ودائعه.

أهل الإيمان استبشروا لما استعانوا بالله عند خروجهم من منزلهم، واستعاذوا به أيضًا من شر أنفسهم، ومِن شر غيرهم.

ولكن ماذا بعد ما أتوا المطار، ومثلت أمام أعينهم عشرات الأخطار، وسمعوا محاضرات عن احتمالات سقوط الطائرة، واحتمال تعرضها لكذا... وكذا... لا شك أنهم في حاجة إلى تجديد التوكل على الله -تعالى- والثقة به، وتفويض الأمر إليه، ولكنهم قبْل هذا رأوا هذه المركبات العظيمة، وكيف هدى الله الخلق إليها وما فيها مِن نِعَم، وهذه الكراسي الوثيرة وما فيها من رفه؛ فيبدأون بالشكر ثم بالاستعاذة مِن المخوفات، ثم بالتوكل على الله -تعالى-.

والشكر في دعاء ركوب الدابة المشروع سفرًا وحضرًا، والاستعاذة من هذه المخوفات يزاد في السفر؛ فأما دعاء ركوب الدابة المأثور عنه -صلى الله عليه وسلم- فقوله: ( سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية