شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إجابة أسئلة حول مقالة: "مشاريع تدبُّر القرآن... ضوابط ومحاذير"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كَتبَ أحد الإخوة أسئلة أو اعتراضاتٍ على مقالة: "مشاريع تدبُّر القرآن... ضوابط ومحاذير" في موقع جريدة "الفتح".

وهذا جواب مختصر عليها:

قال السائل: "أولاً: سأرد على بعض النقاط المتعلقة بمشروع ليس ببعيدٍ عن مثل تلك الاتهامات والشبهات التي تم الرد عليها مرارًا وتكرارًا مِن قِبَل متخصصين في هذا الباب.

أولاً: هل التدبُّر لكل أحدٍ أم هو أمر خاص بالعلماء والمجتهدين؟

والجواب على هذا السؤال يستلزم الإجابة على سؤال: ما هو حكم التدبر؟

والجواب: أن التدبر واجب، قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ... ): "وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ فِي الْقُرْآنِ؛ لِيُعْرَفَ مَعْنَاهُ" (تفسير القرطبي 5/ 290) .

واتباع القرآن والعمل به واجب بالاتفاق؛ فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يتم الاتباع أو العمل بالقرآن بدون تدبره، وقد أورد "الدوسري" في "هجر القرآن" فصلاً بعنوان: "إطباق المفسرين على وجوب التدبر". - وقال "الزركشي" في "البرهان": "فإن التدبر لإعجاز القرآن واجب مفترض" (البرهان في علوم القرآن 4/ 63) .

ومع افتراض الله للتدبر، والافتراض لا يكون إلا بمقدور ميسور، قال -تعالى- أربع مرات في سورة واحدة: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (القمر:17) ، وعليه فلا حجة لأحدٍ في ترك التدبر.

قال الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: "اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ تَدَبُّرَ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَتَفَهُّمَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْمُجْتَهِدِينَ خَاصَّةً، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ بِشُرُوطِهِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَنِدِ اشْتِرَاطُ كَثِيرٍ مِنْهَا إِلَى دَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَلَا أَثَرٍ عَنِ الصَّحَابَةِ - قَوْلٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَصْلاً، بَلِ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّفَهُّمِ، وَإِدْرَاكِ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُهُمَا، وَالْعَمَلُ بِمَا عَلِمَ مِنْهُمَا؛ أَمَّا الْعَمَلُ بِهِمَا مَعَ الْجَهْلِ بِمَا يَعْمَلُ بِهِ مِنْهُمَا فَمَمْنُوعٌ إِجْمَاعًا.

وَأَمَّا مَا عَلِمَهُ مِنْهُمَا عِلْمًا صَحِيحًا نَاشِئًا عَنْ تَعَلُّمٍ صَحِيحٍ؛ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، وَلَوْ آيَةً وَاحِدَةً أَوْ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الذَّمَّ وَالْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ لا يَتَدَبَّرُ كِتَابَ اللَّهِ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ الْأَوَّلِينَ بِهِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ هُمُ الْمُنَافِقُونَ وَالْكُفَّارُ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُسْتَكْمِلًا لِشُرُوطِ الِاجْتِهَادِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ، بَلْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنْهَا أَصْلاً، فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ إِلَّا الْمُجْتَهِدُونَ بِالْإِصْلَاحِ الْأُصُولِيِّ لَمَا وَبَّخَ اللَّهُ الْكَفَّارُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الِاهْتِدَاءِ بِهُدَاهُ، وَلَمَا أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِهِ حَتَّى يُحَصِّلُوا شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ" (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 7/ 258) .

وقال الصنعاني -رحمه الله-: "فإن مَن قـَرَع سمعه قوله -تعالى-: ( وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ) (البقرة:110) ، يَفهم معناه مِن دون أن يعرف أنَّ ( مَا ) كلمة شرط، و( تُقَدِّمُوا ) مجزوم بها؛ لأنه شرطها، و( تَجِدُوهُ ) مجزوم بها؛ لأنه جزاؤه... يفهم مِن الكل ما أريد منها مِن غير أن يَعرف أسرار العلوم العربية، ودقائق القواعد الأصولية" (رشاد النقاد ص: 59) ".

الإجابة:

إذا راجعتَ المقالة؛ فستجد فيها أن التدبُّر للجميع كل بحسب المعنى الذي يتعلمه مِن كتاب الله لا بحسب ما يقوله في القرآن برأيه كما في بعض المشاريع التي يطالِب فيها المحاضِر الدارسين مِن النساء والأطفال والعامة بأن يقولوا رأيهم في الآية ثم يطالعون بعدها تفسيرًا مختصرًا غاية الاختصار.

- كلام "الشنقيطي" -رحمه الله- استدل به الدكتور "ناصر العمر" في كتابه: "أفلا يتدبرون القرآن"، وتبعه على ذلك كثيرون، وأظن أنهم لم يكلـِّفوا أنفسهم عناء الرجوع لكلام "الشنقيطي"، وهو ممن ينتصر -كما هو الصحيح- لوجود مرتبة "طالب العلم المميز"؛ وبالتالي ينقد مِن قـَصَر التدبُّر على المجتهدين، وقد أطال النـَّفـَس في هذا الموضع بعينه حول هذه المسألة بما يبين مقصوده مِن أن الأمر متاح لطلبة العلم ممن حصَّلوا آلات النظر، وبضوابط ذلك، وهو يميل في هذا الموطن -على الأقل- إلى أن التدبر بمعنى الاستنباط، ولذلك ذكر الشروط الكثيرة، ولكنه انتقد اشتراط أن مَن يقوم بهذا يكون مجتهدًا.

ولهذا السبب بينتُ المعاني التي يمكن أن تطلق على التدبر، ولم أنشغل بالترجيح بينها، ولكن ببيان الطريقة الصحيحة لكل منها، ومِن هذا أن العامي يتدبر في المعنى الصحيح الذي يتعلمه مِن كتاب الله.

- وأما النقل عن "الصنعاني": فإذا كنتَ قد حضرت هذه الدروس؛ فهل تجد الحاضرين فيها يعلمون أداة الشرط، وفعل الشرط، وجواب الشرط؟

وهذا النقل حجة عليك لا لك، وهو شاهد لما سبق تفصيله في المقالة مِن إنزال كل معنى مِن المعاني التي تدور حول التدبر أو غيره، ولأجل هذا الذي ذكره "الصنعاني" ناسب أن يُخاطَب الكفار والمنافقون بالتدبر؛ لأنهم عرب يفهمون هذا الذي ذكره "الصنعاني".

ولمعنى آخر: أن الآيات التي تخاطبهم تخاطبهم بحجج عقلية لا يحتاجون فيها إلا هذا التدبر، بخلاف المعاني الشرعية التي تحتاج في تفسيرها إلى باقي نصوص الشريعة.

الصفحة التالية