سبيل الرسول والمؤمنين... الدعوة إلى دين رب العالمين
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الدعوة إلى الله بها حِفظُ الدين وقيامه؛ و"مَن أمعن النظر؛ علِمَ أن الدعوة إلى الله حياة الدين، وأنه ما قام دين من الأديان، ولا انتشر مذهب من المذاهب، ولا ثبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة، وما تداعت أركان ملةٍ بعد قيامها، ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها، ولا تلاشت نزعة من النزعات بعد إحكامها، إلا بترك الدعوة؛ فالدعوة حياة كل أمر عام تُدعَى إليه الأمم والشعوب؛ سواءً أكان ذلك الأمر حقًّا أم باطلاً، ولقد علَّمنا التاريخ أنه ما قام أحد يدعو إلى شيء إلا ووجد له أنصارًا وأتباعًا.
وها نحن أولاء نرى المذاهب الباطلة تنمو بالدعوة، والمذاهب الحقة بإهمال الدعوة تتضاءل، ولو كان الحق يقوم بنفسه وينتشر بذاته لأنه الحق؛ لما فُرضتْ علينا الدعوة إليه، ولما كان ثَمَّ حاجة إلى الأنبياء والمرسلين وورثتهم من العلماء العاملين، والمرشدين الناصحين" (هداية المرشدين للشيخ علي محفوظ -رحمه الله- عضو هيئة كبار علماء الأزهر الشريف ورئيس قسم الوعظ به، ط مكتبة الصفا، ص 19) .
والدعوة إلى الله جزء من حياة المسلم تحل معه أينما حل، وتنزل معه أينما نزل، ولا أدل على ذلك مِن حال نبي الله يوسف -عليه السلام- الذي سُجِن ظلمًا وعدوانًا؛ فلم تمنعه أسوار السجن، وجدران العزل عن ممارسة الدعوة إلى الله -تعالى-، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
والمسلم المعظـِّم لدين الله -تعالى- الحريص عليه لا يمكن إلا أن يكون داعية إلى دينه -عز وجل-؛ آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، يدعو الخلق جميعًا -إن استطاع- إلى توحيد الله ومعرفته وعبادته.
ويدعو أهل الإسلام كذلك إلى إقامة دين الله -تعالى- وشريعته؛ لأن العقد الاجتماعي بين المسلمين المتمثل في إسلامهم، وأخوتهم الدينية الإيمانية، والموالاة والمعاداة على أساس هذا الدين - يستلزم ذلك، قال الله -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرحمهم الله إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:71) .
وإنما نالت أمة الإسلام خيريتها بقيامها بالدعوة إلى الله -تعالى-، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران:110) ، فقرنت خيرية الأم بدعوتها إلى الله، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر.
وقد بدأت الآية الكريمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر الإيمان بالله -مع أن الإيمان بالله هم المقدَّم بلا شك، وبدونه لا تقبل طاعة لله-؛ لأجل أن المقام مقام بيان وجه خيرية أمة الإسلام على سائر الأمم؛ لأن هذه الخيرية إنما تظهر مِن خلال أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر.
وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- أمة الإسلام بالقيام بهذا الواجب، وأخبر بأن الفلاح مرهون به ، فقال -عز وجل-: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) ، فالدعوة إلى الله سبب الفلاح في الدنيا والآخرة.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (متفق عليه) . و( حُمْرُ النَّعَمِ ) هي: الإبل الحمراء، وكانت أنفس الأموال عند العرب. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الدَّالُّ على الخَيْرِ كَفاعِلِهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وكان يقول -عليه الصلاة والسلام-: ( فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ) (متفق عليه) .
وسواء كانت ( مِنْ ) في قوله -تعالى-: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ... ) للتبعيض -فتفيد أن الأمر على الكفاية- أو لبيان الجنس -فيكون المراد أي لتكن كل الأمة كذلك-؛ فإن الآية تدل على لزوم انتصاب طائفة مِن المسلمين تقوم بواجب الدعوة إلى الله، ومعلوم أنه يُشتَرط للخروج مِن عهدة الفرض الكفائي حصول الكفاية بمَن يقوم به؛ فإن كانت الكفاية غير حاصلة فيجب أن يقوم بهذا الواجب كل مسلم حسب قدرته، وهذا يشمل النساء كذلك؛ لأنهن شقائق الرجال، ومعنى فرض الكفاية في هذا المقام أن يوجد المعروف الواجب، وأن يزول المنكر المحرم في الناس، فإذا حصل ذلك، وإلا أثم كل قادر بحسب قدرته واستطاعته.
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ؛ فهذا فيمن تَعيَّن عليه إنكار المنكر وتغييره.