سبيل الرسول والمؤمنين... الدعوة إلى دين رب العالمين
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
وإذا كان غير المكلف من الخلق "كالهدهد" يتخلف عن مجلس سليمان -عليه السلام-، ويعرِّض نفسه لوعيده وعقوبته له، ليبحث عمن يحتاج إلى الهدى، ويظهر تعجبه الشديد ممن أشرك بالله ولم يسجد له -سبحانه-! ( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ . فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ . أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) (النمل:20-26) .
فإذا كان الهدهد كذلك؛ فكيف بالمسلم المكلف؟!
ولقد أخطأ وأساء مَن ظن أن الدعوة إلى الله تنحصر في أشخاص معينين أو جهات محددة -فضلاً عمن يسعى إلى ذلك!- أو أنها تحتاج إلى إذن أحد من الخلق والبشر؛ إذ أنها مِن الطاعات والواجبات الشرعية، والواجب الشرعي لا يجوز لأحد أن يطيع أحدًا في تركه؛ لا والديه، ولا إمام، ولا حاكم، ولا يجوز الاستئذان فيه، أو أن يُطلب الإذن في فعله، و"مَن أراد ذلك فقد شابه فرعون كما قال -تعالى- مخبرًا عن قوله للسحرة: ( آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) (الأعراف:123) ، فمَن أراد أن يُستأذن في طاعة الله -عز وجل- إنما هو متشبه بفرعون؛ لأن الله إذا أمر بأمر فلا يجوز لأحد أن يعترض عليه، ولا أن يمنع منه" (الشرح الصوتي لقصة أصحاب الأخدود، د.ياسر برهامي) .
ذلك أن الدعوة إلى الله -تعالى- هي سبيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسبيل مَن اتبعه؛ لإخراج النَّاس مِن الظلمات إلى النَّور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن استحقاق النَّار إلى الجنة، ولو ترك المسلم الدعوة إلى الله تركًا دائمًا مستمرًا متعمدًا فإنه لا ينضوي تحت لواء قوله -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108) ؛ لأن أتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- هم الذين يدعون إلى الله -تعالى-.
وأما اشتراط الأهلية في الدعوة إلى الله -تعالى-؛ فإنها لا تلزم أن تكون بشهادات أو تصريحات ووظائف ونحو ذلك، بل إن كل مَن اتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أسعد الناس بها، وأهل السنة هم أهل الدعوة إلى الله وأربابها، وليس شرطـًا بحال أن يكون الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فقيهًا عالمًا، وإنما يكفي أن يكون الداعية عالمًا بما يدعو إليه، وبما يأمر به مِن المعروف وما ينهى عنه من المنكر، وهذا ما انتظمه قوله -تعالى-: ( أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )؛ حيث اشتملتِ الآية الكريمة على أهم دعائم الدعوة إلى الله، مِن: الإخلاص كما في قوله: ( إِلَى اللَّهِ ) وليس إلى نفسه أو غير الله، والعلم، والصبر، والحلم، والبدء في الدعوة بالأهم فالمهم فهذا يشمله قوله: ( عَلَى بَصِيرَةٍ )؛ إضافة إلى أنه لا يكون داعيًا حقًّا إلا مَن كان بعلمه عاملاً، وكان حسن الخلق؛ وإلا كان صادًّا للناس عما يدعوهم إليه في الحقيقة, وكان بعيدًا عن الإصلاح الذي يريد: ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (هود:88) .
ثم أين يذهب مَن يدعي ذلك الاختصاص في الدعوة إلى الله بقوم دون غيرهم مِن نصوص الكتاب والسنة؟!
قال الله -تعالى- عن العبد الصالح لقمان الحكيم -الذي أثنى الله عليه ووصفه بالحكمة في كتابه الكريم- في وصيته لولده: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (لقمان:17) ، فلم يقل له أو يأمره بأن يصلي ويعبد ربه ثم لا شأن له بما يجري حوله، وأن يترك الناس يعرِّضون أنفسهم لعذاب الله وغضبه، ولا يحرك ساكنًا!
وأين هؤلاء مِن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهِا, قَالَ: ( فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَاعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ ), قَالُوا: مَا حَقُّهُ؟ قَالَ: ( غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (متفق عليه) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ؟! وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) (رواه البخاري) ، وهذا خطاب لجميع الأمة.
وأين هم مِن المذمة والوعيد اللاحق بمن يترك هذا الواجب؟!