كُتُب الشيخ "سعيد عبد العظيم" ترد على فكر بيان "نداء الكنانة"... فكيف وقـَّع عليه؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أثار وجود اسم الشيخ "سعيد عبد العظيم" بيْن الموقـِّعين على "نداء الكنانة" الكثير مِن اللغط، وأيًّا ما كان مِن ملابسات ذلك التوقيع؛ يبقى أن كلام الشيخ "المُثبت في خطبه ودروسه وكتبه" هو -بحمد الله- موافق لقول مشايخ الدعوة السلفية، وموافق لقول علماء المنهج السلفي ودعاته، وعلى الأخص كتاب: "تحصيل الزاد لتحقيق الجهاد" والذي كتبه في فترة تَصاعد عنف الجماعة الإسلامية في أوائل التسعينيات، وكتب في مقدمة الطبعة الثانية منه ثناءً على مبادرة وقف العنف للجماعة الإسلامية، ونقل عن البعض أنها تأخرت نحوًا مِن عشرين سنة، ونحن نتعرض في هذا المقال لأهم ما ورد في هذا الكتاب؛ لتذكير الجميع -بما في ذلك الشيخ نفسه- بالمنهج الذي قضى عمره الدعوي في نشره.
وإليك هذه النقول المنتقاة مِن الكتاب:
- مبادرة الجماعة الإسلامية قطعتِ الطريق على المزايدين، بعكس الكلمات المُجْمَلة التي قيلتْ في إيقاف العنف قبل ذلك بسنوات:
في مقدمة "الطبعة الثانية" مِن الكتاب التي صدرت بعد "مبادرة الجماعة الإسلامية"، أثنى الشيخ على "مبادرة الجماعة الإسلامية" قائلاً: "فقد توالتْ وتسارعت الأحداث في الآونة الأخيرة داخليًّا وخارجيًّا؛ ففي الداخل سمعنا عن مبادرة إيقاف العنف التي طرحتها الجماعة الإسلامية في نحو مِن ستمائة صفحة، وقد كتبها اثنان مِن قادة الجماعة الثمانية، وأقرها بقية القادة الثمانية، وحظيت بموافقة أفـراد الجماعة الإسلامية في الداخل والخارج، وكانت أشبه بقنبلة أحدثت دويًّا شديدًا لما فيها مِن مراجعة وتراجع في الكثير مِن المسائل؛ كقضية قتل "السياح"، والاستيلاء على أموال أهل الكتاب والتكفير، وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من المسائل التي انطوت على تخطئة صريحة للنفس، وإقرار بأن الذي استفاد مِن أحداث العنف هم اليهود وأمريكا والغرب، وتوضيح بأنهم سينخرطون في صفوف الدعاة إلى الله، وقـد علـَّق البعض على المبادرة بأنها تأخرت عشرين سنة، وتكلم آخرون على براعة التوقيت، واستبشر عموم الخلق بالمبادرة التي مِن شأنها أن تحقن دماء المسلمين، وأن تغلق أبواب الصد عن سبيل الله، والتنفير مِن طاعة الله تحت لافتة مكافحة الإرهاب!
ولا يليق بنا ولا بغيرنا أن نقف في مواطن الأستاذية أو الشماتة والتشفي، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ بالله مِن شماتة الأعداء، ويبين أن كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوَّابون، وأن المؤمن مرآة أخيه، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه، وبراعة التوقيت التي يتكلم عنها البعض إنما هي توفيق وتسديد؛ لأنها خطة محبوكة إذ تأخير التوبة ذنب تجب التوبة منه، والمسلم يعلم أنه إذا أخطـأ وجـب عليه أن يتوب مِن قريب، وأن تكون توبته خالصة لوجه الله، لا لحيازة مغنم أو دفع مغرم، وقد قطعتِ المبادرة الطريق على المزايدين، بعكس الكلمات المُجْمَلة التي قيلتْ في إيقاف العنف قبْل ذلك بسنوات" اهـ .
- ليس كل مَن استحق العزل يُعزل:
تعرض الشيخ للأسباب التي تقتضي عزل الحاكم، ثم تعرض بعدها لمسألة أخرى تحت عنوان: "هل كل مَن استحق العزل لا بد أن يُعزل؟" وقرر فيها أنه ليس كل مَن استحق العزل يُعزل، وهذا يرد على هذا البيان إذا تم التسليم لهم بكل ما قالوه دون تفصيل؛ لأنه سوف يصطدم في النهاية بهذه المسألة المبنية على قواعد الشريعة في عدم إنكار المنكر بمنكر أعظم.
- قال الشيخ "سعيد عبد العظيم" تحت عنوان: "هل كل مَن استحق العزل لا بد أن يُعزل؟":
"ليس كل مَن استحق العزل يعزل، وإنما يُنظر إلى ما سيترتب على هذا العزل؛ فإن ترتب عليه فتنة أكبر لم يجز العزل والخروج عليه، كما لا يجوز إنكار المنكر بمنكر أعظم منه، أما إذا أُمِنَت الفتنة وقُدر على عزله بوسيلة لا تؤدي إلى فتنة؛ فلا بأس حينئذٍ، ومسألة عزل الحاكم داخلة ضمن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يدخل فيها أيضًا النصيحة والدعوة، والجهاد، وإقامة المجتمع المسلم؛ وبالتالي فلا بد مِن مراعاة فقه الإنكار، وهذا يستلزم أن ننظر بعين الاعتبار إلى أمور ثلاثة:
1- التحقق مِن أن الحاكم قد أتى ما يستوجب العزل.
2- هل عندنا الاستطاعة على عزله أم لا؟ وذلك لأن هذا الواجب يسقط بالعذر والعجز وعدم الاستطاعة حتى إن تحققنا أنه يستوجـب العزل ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) (البقرة:268) ، وفي الحديث: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ، فرتَّب النبي -صلى الله عليه وسلم- الإنكار على الاستطاعة.
3- هل المصلحة محققة بعزله أم لا؟، حتى إن استوجب الإمام العزل وكانت عندنا الاستطاعة على عزله، وذلك لأن شرع الله مصلحة كله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شُرِع لجلب مصلحة ولدفع مفسدة، فلا يجوز أن نزيل كافرًا ونأتي بمن هو أكفر منه، أو نجعل الكفار يتمكنون مِن البلاد والعباد بخروجنا على الحاكم، والأمر كما ترى يتطلب معرفة شرعية وبصيرة بالواقع وقدرة على وزن المصالح والمفاسـد دون حيــف أو ميـل ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) .
يقول الدكتور عبد الكريم زيدان تحت عنوان: "عزل الخليفة": الأمة هي التي تختار الخليفة، فلها حق عزله؛ لأن مَن يملك حق التعيين يملك حق العزل، ولكن استعمال هذا الحق يقتضي وجود المبرر الشرعي وإلا كان تعسفًا في استعمال الحق، واتباعًا للهوى، وهذان لا يجوزان في شرع الإسلام، والمبرر الشرعي لعزل الخليفة: خروجه عن مقتضى وكالته عن الأمة خروجًا يبرر عزله، أو عجزه عن القيام بمهام الخلافة، وهذا ما صرَّح به الفقهاء؛ فالإمام ابن حزم يقول -وهو يتكلم عن الإمام- ما نصه: "... فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن زاغ عن شيء منهما مُنع مِن ذلك وأُقيمَ عليه الحد والحق، فإن لم يُؤمَن أذاه إلا بخلعه؛ خُلِعَ وولي غيره.