كُتُب الشيخ "سعيد عبد العظيم" ترد على فكر بيان "نداء الكنانة"... فكيف وقـَّع عليه؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ولا يسعنا بعد ذلك إلا أن نحرِّم الغدر في كل صوره وأشكاله، قال الله -تعالى-: ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) (الأنفال:58) . أي: إذا ظهرت خيانة مَن عاهدتهم وثبتـت دلائلها فأعلِموهم بنقض عهدهم حتى تستووا معهم في العلم؛ لأن الله -تعالى- لا يحب الخائنين، ولو كانت الخيانة مع قوم كافرين، وكانوا في نقض العهد بادين.
وعندما جاء أبو جندل -رضي الله عنه- يستصرخ بالمسلمين يوم الحديبية أن يؤووه ويحموه مِن قريش، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ ) (رواه أحمد بسند حسن، وأصل قصة رد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي جندل أخرجها البخاري في صحيحه) . وكان مِن شروط معاهدة الحديبية التي أبرمها النبي -صلى الله عليه وسلم- مع سهيل بن عمرو أن مَن يأتي مِن قريش إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلمًا يرده ولا يؤويه!
وقد ذكر الفقهاء أنه لا يجوز للمسلم أن يخون أهل دار الحرب إذا دخل ديارهم بأمان منهم؛ لأن خيانتهم غدر، ولا يصلح الغدر في دين الإسلام، وقال سليم بن عامر: كان بيْن معاوية والروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاءه رجل على فرس وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ؛ فَلا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، فرجع معاوية.
وقال فقهاء الحنابلة: إذا أطلق الكفارُ الأسيرَ المسلم واستحلفوه أن يبعث إليهم بفدائه أو يعود إليهم؛ لزمه الوفاء، قال الله -تعالى-: ( وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ ) (النحل:91) ، وإذا كانت دار الحرب تأخذ مِن رعايا دار الإسلام الداخلين إلى إقليمها ضريبة على أموالهم التي معهم بحيث تستأصل هذه الأموال، أو تأخذ مِن أموالهم القليلة ضريبـة كبيرة لا تتناسـب مع أموالهم؛ فإن دار الإسلام لا تقابلهم بالمثل، ويعلل الفقهاء قولهم هذا بأن فعل أهل دار الحرب غدر وظلم، فلا نقابلهم بالغدر والظلم، بل مِن عجيب ما ذُكِر إقرارهم عهد المسلم، بل عهد العبد منهم يؤمِّن طائفة مِن المحاربين! فقد كتب أبو عبيدة وهو قائد الجيش إلى عمر: "إن عبدًا أمَّن أهل بلدٍ بالعراق وسأله رأيه، فكتب إليه عمر: "إن الله عظيم الوفاء، ولن تكونوا أوفياء حتى تفوا، فوفوا إليهم وانصرفوا عنهم"، والعبد لا يضيع بطاعته لربه.
ولا نظن أبدًا أن الصحابة -رضي الله عنهم- ضاعوا يومًا بوفائهم وعدم غدرهم، بل غيَّر بهم ربنا وجـه الأرض: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (الرعد:11) ، فعلينا بطاعة الله والنزول على حكمه -سبحانه-، سواء أكنا حكامًا أو محكومين، فإننا ننال ما عند الله بطاعته ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (محمد:7) .
- شبهة قتل كعب بن الأشرف:
ثم تعرض لقصة كعب بن الأشرف، وهي حجة كلُّ مَن يسوِّغ الاغتيالات في صفوف مَن يظنهم مرتدين، ومَن يظنهم قتلة أو مغتصبين فساق -والقصة معروفة في كتب السيرة-، ثم قال: "فهل تصلح قصة قتل كعب بن الأشرف مستندًا لقتل بعض الجيش والشعب غدرًا، مع غلبة الظن -بل مع اليقين- بحصول المفسدة التي لا مصلحة فيها؛ اللهم إلا انجرار الأذى والمضرة على البلاد والعباد!".
- خاتمة: كيف نظرت الجماعة الإسلامية إلى بيان "نداء الكنانة"؟
بدأنا بأن الشيخ أصدر هذا الكتاب نصيحة للجماعة الإسلامية -ومَن نحى نحوها في التسعينيات-، وأنه أثنى في مقدمة الطبعة الثانية على مبادرة الجماعة الإسلامية؛ فكيف نظرت الجماعة الإسلامية إلى هذا البيان؟
تأتيك الإجابة على لسان الشيخ "أسامة حافظ" -القائم بأعمال رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية- حيث نشر تصريحات حول هذا البيان قائلاً: "مثل هذه البيانات التي تُلقى هكذا بيْن الشباب المتحمس المندفع أمر خطير؛ إذ يستمدون منها مشروعية القتل، ولا يجدون فيها الشروط اللازمة، والموانع المانعة؛ فلا تحقيق ولا تدقيق، ولا قياس للمصالح ولا المفاسد المترتبة على ذلك، خاصة وأن أكثرهم لا يعيش التجربة، وإنما يعيش مع كلام الكتب".
وقال أيضًا: "هذا بسبب الصيحات المتصاعِدة هذه الأيام التي تشجِّع على قتل الشرطة والجيش بدعوى القصاص؛ متجاهلة أن القتل جريمة شخصية لا يؤخذ بها إلا صاحبها".
ووضَّح تجربة الجماعة الإسلامية في ذلك قائلاً: "نحن -ومِن واقع تجربة سابقة- نقول: إن مَن تغوص رجله في لجة القتل والسلاح يصعب عليه بمرور الوقت ضبط أعماله، وقد عرفتُ في الأحداث السابقة مَن قتل سائقًا رفض أن يحمل له جريحًا خوفًا مِن مسئولية ذلك، وعرفت مَن قتل أربعة مِن الفلاحين؛ لأنهم شاهدوهم وخافوا أن يدلوا عليهم، ومَن قتل رجلاً ظهر أمامه فجأة فسبق إلى ضربه ظنًّا منه أنه كان مختبئًا منه، ومثل ذلك مِن أعمال تلحظ فيها استسهال القتل وإطلاق النار بمرور الوقت واعتياد ذلك! وسيأتي يوم القيامة مدينًا للقتيل المظلوم".
ونحن بدورنا نتساءل: إلى متى يصر البعض على تكرار ذات الخطأ، ليس مرة واحدة، بل عدة مرات!
نسأل الله أن يهدينا جميعًا إلى ما اختلفوا فيه مِن الحق بإذنه.