شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كُتُب الشيخ "سعيد عبد العظيم" ترد على فكر بيان "نداء الكنانة"... فكيف وقـَّع عليه؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ثم تطرَّق إلى مسألة أخرى غير مسألة الاستتابة، وهي مسألة المصلحة والمفسدة، حتى مع وجود الإمام وإمكانية الاستتابة وإقامة الحد فقال: "وقد لا يساوي الإنسان ثمن الرصاصة التي تُطلق عليه، ولا ثمن السكين التي يقتل بها، فهو أهون على الله مِن الجِعْلان، ومن الحيوانات المؤذية التي شرع الإسلام قتلها، ولكن يبقى النظر ما المترتب على قتل هذا الإنسان واغتياله؟ خصوصًا والإنسان إذا ما استحق القتل فشأنه كشأن سائر المنكرات، والمنكر لا يُزال بمنكر أعظم؛ فلا بد مِن إخضاع الأمر لقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت مِن المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر؛ لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر مِن مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تعوز النصوص مَن يكون خبيرًا بها، وبدلالتها على الأحكام، وعلى هذا: إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بيْن معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا لم يجز أن يأمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أُمر به وإن استلزم ما هو دونه مِن المنكر، ولم يَنـْهَ عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذٍ مِن باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نُهي عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه مِن المعروف.

ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا منكرًا وسعيًا في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان؛ لم يؤمر بهما، ولم يُنهَ عنهما؛ فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح أمر ولا نهي؛ حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة، أما مِن جهة النوع؛ فيؤمر بالمعروف مطلقًا، ويُنهي عن المنكر مطلقًا.

وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يُؤمر بمعروفها، وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بالمعروف فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن، حتى يتبين له الحق فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيًا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهي عنه مِن الأمر معصية، وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومِن هذا الباب: إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن أُبي وأمثاله مِن أئمة النفاق والفجور؛ لما لهم مِن أعوان، فإزالة منكره بنوع مِن عقابه مستلزمة إزالةَ معروف أكثر مِن ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يقتل أصحابه؛ ولهذا لما خاطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به، واعتذر منه، وقال سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه؛ حمي له سعد بن عبادة، مع حسن إيمانه وصدقه، وتعصبت لكل منهم قبيلة حتى كادت تكون فتنة" اهـ .

ثم ختم نقوله عن ابن تيمية وغيره في تلك المسألة الهامة بقوله: "وما أكثر الفتن التي تنجم من حوادث الاغتيال، وعدم التعرُّف على ضوابط الإنكار!".

- الغدر كبيرة مِن الكبائر:

ثم تطرق إلى مسألة لا تنفك عنها حوادث الاغتيال -وهي الغدر- فقال: المؤمن مِن شأنه أن يُعظم حرمات الله تعالى وشعائره: ( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (الحج:32) ، ولذلك فهو يتباعد بنفسه عن الكبائر والصغائر، وإذا اشتبه عليه أمر رده لعالمه، والوَرع من الدين كما يقول العلماء.

وقد ورد في تحريم الغدر نصوص كثيرة، منها قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) ، وقوله -تعالى-: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) (الإسراء : 34)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) (متفق عليه) .

وعن ابن مسعود وابن عمر -رضي الله عنهما- قالا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلا وَلا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ ) (رواه مسلم) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال الله -تعالى-: ( قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ ) (رواه البخاري) .

وفي الحديث: ( لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) ، وسأل رجلٌ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ( إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ). قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ( إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ) (رواه البخاري) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية