شُبُهات وجوابها حول الموقف مِن العملية الانتخابية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
موقفكم مِن الديمقراطية متناقض :
النظام السياسي في الإسلام نظام متكامل موجود في كتب السياسة الشرعية، ونحن كنا -وما زلنا- نقوم بتدريسه مع مقارنته بالنـُّظم السياسية المعاصرة -ومنها الديمقراطية- التي نرى أنه سبقها إلى كثير مِن المحاسن.
وهذا لا يمنع أن نتعامل مع الواقع، والواقع هو أن النظم السياسية التي استقرت في معظم بلاد العالم الإسلامي هي نظم ديمقراطية نظريُّا، وإن كانت في كثير مِن الأحيان تطبق بطريقة ديكتاتورية، كما أنها في كثير مِن الأحيان تخالِف أحد أُسس النظم الديمقراطية، وهي مراعاة خصوصية كل شعب، فحاولتْ فرض أنماط مختلفة مِن العلمانية بدرجات متفاوتة في دول العالم الإسلامي.
وخلاصة الكلام على الديمقراطية أنها تمثـِّل مجموعة كبيرة مِن الأفكار والآليات، ويمكن تقسيم هذه الأمور إلى ثلاثة أقسام:
1- أشياء تعارض العقيدة الإسلامية: وهي وضع قاعدة: " الحكم للشعب" في مقابلة قوله -تعالى-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) (الأنعام:57) ، وليس وضعها في مقابل رفض حكم الفرد -كما قد يتصور البعض-، وهذه القضية هي التي تجعل البعض يتحدث عن أن الديمقراطية لا يمكن إلا أن تكون علمانية، ومِن ثَمَّ يرفض البعض النص على دين الدولة في الدستور، ناهيك عن رفض البعض النص على مرجعية الشريعة.
2- أشياء تخالف النظام السياسي في الإسلام، وإن كانت لا تصادم أصل العقيدة: وتدور حول العدول عن آلية "أهل الحل والعقد" التي تمثـِّل الوسيط بيْن الحاكم والشعب في النظام الإسلامي إلى آلية الانتخاب الشعبي، والتي يترتب عليها قضايا، منها: دخول غير المسلم والمرأة في هذا نظام الانتخاب الشعبي، بينما هم في نظام أهل الحل والعقد داخلون في الشورى التي تتم بيْن أهل الحل والعقد وبيْن الجمهور الذي يقف وراءهم ولا يدخلون في أهل الحل والعقد، واعتماد أسلوب التنافس الانتخابي مع ما فيه مِن صراع وتطاحن.
3- أمور حسنة وجيدة مِن الالتقاء مع مبدأ الشورى ومبدأ الحسبة على الحاكم: فإذا أردنا أن نعطي حكمًا واحدًا مختصرًا للديمقراطية؛ فسيكون الحكم بأشد مكوناتها، وهي أنها تمثل فلسفة تناقض عقيدة المسلم في ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) ، ويبقى أن التفصيل دائمًا أجود، لا سيما إذا أمكن تفكيك التطبيق مِن الناحية العملية.
وهذا يقودنا إلى السؤال الآخر: هل تـَقبل الديمقراطية التفكيك أو الأسلمة؟
في الواقع فإن الديمقراطية كفكرة فسلفية مرت بصور كثيرة مِن التطبيق حتى استقر الأمر على الديمقراطية النيابية، والتي تفرز فيها الانتخابات نوابًا للشعب لفترة محددة، وكنوع مِن منع اضطراب الدول والمجتمعات حسب مزاج مَن يفوز بالأغلبية البرلمانية، فقد قادت التجارب إلى ضرورة وضع ثوابت المجتمع بطريقة أكثر دقة عن طريق الديمقراطية المباشرة أو عن أقرب الطريق إليها "الاستفتاء الشعبي المباشر"، وصار هذا يسمَّى الدستور، وهو الذي يتم فيه تحديد نظام الحكم ومؤسساته، وصلاحيات كل منها/ والضوابط التشريعية العامة لهذا المجتمع، وبالتالي إذا غادرنا الدراسة الفلسفية للديمقراطية وجئنا عند الجانب السياسي التطبيقي لها؛ فسنجد أنها قابلة لأَن يتضمن دستورها ثوابت كل مجتمع.
ولعل هذا ما يفسِّر تناقض دعاة الديمقراطية في قضية مسألة علمانية الديمقراطية؛ فالباحثون والمفكرون ذوو الخلفية الفسلفية يرون استحالة انفكاكها عن العلمانية، وأما باحثو العلوم السياسية فيرون أنها آليات أكثر منها فلسفة، وأن هذه الآليات -وعلى رأسها الدستور- كفيلة بتصميم نظام يناسِب الشعوب الإسلامية.
ومن هنا جاء تفريقنا بيْن الفلسفة والآليات كنوع مِن التفصيل العملي الذي لا يعارض الإجابة المجملة على الفكرة الفسلفية، ومِن ثَمَّ يكون التحدي الأكبر للإسلاميين هو تضمين الدستور مادة حاكمة تقرر مرجعية الشريعة، وحينئذٍ يشرع لهم المشاركة الديمقراطية بما يحقق مصالح شعوبهم، وتكون المسألة مدارها على المصالح والمفاسد.
ولكن يتوجه على هذه إشكالان رئيسيان:
الأول: أن الدستور نفسه يأتي باستفتاء شعبي، وبالتالي هو نابع مِن فلسفة حكم الشعب لا حكم الله؛ فإذا رضي الشعب بحكم الله، وإلا فلا! كما أن الدستور قابل للتعديل باستفتاء مشابه.
الثاني: أن آلية الانتخاب الشعبي تصطدم ببعض الأحكام الشرعية سواء المستمد منها مِن نصوص أو باجتهاد.
والجواب على هذين الإشكالين على النحو التالي:
1- شبهة أن وضع مادة ملزمة للشريعة في الدستور هو نوع مِن الإقرار بأن الحاكمية للشعب وليس لله:
في الواقع إن هذا الكلام لا يكاد يختلف فيه الوضع بيْن الصورتين إلا بالنية، فإنك لو قلت لأي شخص: هل إذا سألت عن منهجك في التشريع فأجبت بأنك تعتقد بوجوب تحكيم شرع الله؛ هل عليك في ذلك حرج؟! والإجابة: بالطبع لا.
والأمر الآخر: ماذا تفعل لو أن هناك مَن نازعك في هذا؟ أليس أنك تجادله وتناظره وتبيِّن له؟
ثم إن الناس يستفتون على الدستور جملة واحدة بجميع مواده، وبعض هذه المواد مؤسسة وبعضها كاشفة عن حقيقة واقعة، ونحن نعتبر مواد الشريعة مِن ذلك.
وأما أنه في حال إذا رفضت الأغلبية هذه المادة تلغى؛ فنقول في هذا الشأن: ماذا لو ابتليت بأن تعيش وسط أناس يعتنقون تلك المذاهب العلمانية؟ ألست تدعوهم وتبيِّن لهم؛ فإن استجابوا فبها ونعمت، وإن أبوا مع كثرتهم واتفاقهم على هذا الباطل لا تملك حينها إلا أن تعتزلهم وتستمر على دعوتهم؟! وهذا عين ما يَلزمك في حالة الاستفتاء على الدستور عامة، أو على مادة مرجعية الشريعة خاصة.
وأما المسألة الثانية "والخاصة بأن آلية الانتخاب فيها مخالفات لأحكام شرعية":
فالجواب أن هذا القدر مِن المخالفة مما يحتمل ارتكابه في سبيل إصلاح أحوال العباد والبلاد، لا سيما ومعظم هذه الأحكام وُجد مَن نازع فيها مِن المتقدمين أو المتأخرين، مما يجعل الأمر في احتمالها أهون وأخوف، وفي هذا الباب فتاوى كثيرة لجمع مِن أهل العلم.
وهذا يحتاج منا في هذين النقطتين إلى طرح السؤال الآتي: هل في النظام الديمقراطي ما يلزمك أن تعتقد صحة ما اختارته الأغلبية أو حتى تصرِّح بذلك؟