شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليق على بحث "مستقبل السلفية السياسية في مصر وتونس"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد نشر مركز "كارنيجي للشرق الأوسط" ورقة بحثية بعنوان: "مستقبل السلفية السياسية في مصر وتونس" للباحث "جورج فهمي"، ونظرًا للقبول الذي يتمتع به هذا المركز في دوائر الأبحاث السياسية؛ فقد رأيتُ أن أعلـِّق على تلك الورقة البحثية بصورة تجلي بعض الأمور على قارئها، ورغم أن الورقة البحثية تتحدث عن مصر، وتونس؛ فقد اقتصرتُ في التعليق على ما يخص التجربة المصرية، فإلى نص الورقة البحثية:

مستقبل السلفية السياسية في مصر وتونس

"أحجمتِ الحركات السلفية في العالم العربي في معظمها عن المشاركة في العملية السياسية، وركَّزت عوضًا عن ذلك على الأنشطة الدعوية لنشر أفكارها الدينية المحافظة، وانخرطت في العمل الخيري والاجتماعي الرامي إلى تغيير المجتمع مِن أسفل، لكن الانتفاضات العربية التي اندلعت في العام 2011م غيَّرت ذلك؛ إذ أنشأ سلفيّو مصر أحزابًا عدّة بعد سقوط حسني مبارك، وكذلك فعل نظراؤهم التونسيون، وأنشأوا أحزابًا سلفية في تونس بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي.

يُضفي حضور الأحزاب السلفية في المشهد السياسي في مصر وتونس قيمةً على عملية الانتقال الديمقراطي في البلدَين، وعلى الرغم مِن أن هذه الأحزاب مُحافظة؛ إلا أنها توافق على العمل السياسي السلمي باعتباره وسيلة للتغيير، كما ترفض استخدام العنف؛ ما يسمح بدمج شريحة كبيرة مِن المجتمع في العملية السياسية.

يضفي وجود الأحزاب السلفية أيضًا قدرًا مِن التنوّع على المشهد السياسي الإسلامي، فيصبح مِن الصعب على أي حزب إسلامي واحد أن يدّعي أنه يمثّل جميع المسلمين، لكن سلفيّي مصر وتونس واجهوا الكثير مِن التحديات السياسية في العامَين الماضيَين، فقد تراجعت أهمية الأحزاب السلفية على المستوى السياسي بالتزامن مع تزايد شعبية الحركات السلفية الجهادية التي ترفض الاعتراف بالآليات الديمقراطية كوسيلة ممكنة لتحقيق التغيير السياسي، وتسعى بدل ذلك إلى بناء دولة إسلامية مِن خلال الجهاد المسلح.

إذا ما أرادت الأحزاب السلفية أن تؤدي دورًا سياسيًّا فاعلاً، وأن تحافظ على مستوى معين مِن التأثير على العملية السياسية، تحتاج إلى استعادة ثقة الشباب الإسلامي، وإيجاد توازن صحيّ بين هياكلها السياسية والدينية، وتقديم رؤية سياسية أكثر شمولاً لدور الشريعة الإسلامية في الحكم.

الأحزاب السلفية الكبرى:

خلافًا لسائر الدول العربية التي شهدت انتفاضات الربيع العربي، كانت مصر وتونس الوحيدتَين اللتَين لم تنزلقا إلى لجج العنف على نطاق واسع، على الرغم مِن اختلاف مسارَيهما السياسيَّين، وتُظهِر مقارنة مسارَي السلفية السياسية في تونس ومصر أوجه شبه عدّة، لكن أيضًا نقاط اختلاف ملحوظة.

يُعتبر حزب النور وحزب الوطن مِن بيْن الأحزاب السلفية الأكثر نشاطًا في الساحة السياسية المصرية، في حين يُعدّ حزب جبهة الإصلاح في طليعة الحركات السلفية التونسية، لكن حزب النور نجح في بداية المرحلة الانتقالية في تحقيق مكاسب سياسية كبيرة قبل تراجع شعبيته، فيما فشل حزب جبهة الإصلاح في حصد نجاح مماثل في تونس.

تم تأسيس حزب النور بمبادرةٍ مِن شخصية سلفية بارزة هي عماد عبد الغفور في الأشهر الأولى بعد سقوط نظام مبارك في كانون الثاني / يناير 2011، وقد رأى عبد الغفور أن المناخ السياسي الجديد بعد سقوط مبارك يفتح آفاقًا جديدة لإحداث تغيير مِن خلال العمل السياسي، وليس فقط مِن خلال الأنشطة الدينية والاجتماعية التي تمارسها الدعوة السلفية، وهي حركة دينية سلفية تأسّست في السبعينيات وكان عبد الغفور أحد أعضائها، وقد تمكّنت الدعوة السلفية في عهد مبارك مِن بناء شبكة مِن المناصرين بفضل أنشطتها الاجتماعية والدينية، لكنها مع ذلك امتنعت عن المشاركة السياسية.

حقّق حزب النور نجاحًا باهرًا في أول انتخابات أُجريَت في مصر في أعقاب إطاحة مبارك، وذلك بعد أقل مِن ستة أشهر على تأسيسه؛ إذ فاز بـ121 مقعدًا، أو بنسبة 24 في المئة مِن مقاعد مجلس الشعب، وحاز على المرتبة الثانية بعد حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين.

وقع خلافٌ حادّ في صفوف حزب النور في أيلول / سبتمبر 2012 بين الرؤيتين السياسيتين لعمل الحزب، فضّلت المجموعة الأولى، الممثَّلة بعماد عبد الغفور أن يركّز الحزب على التمدّد الأفقي وعلى توسيع قاعدته ليشمل تمثيله القوى الإسلامية السلفية بشكلٍ عام، في المقابل ترى المجموعة الثانية التي يمثّلها جلال المرة وأشرف ثابت أن على حزب النور أن يحظى بقاعدة شعبية متمايزة ومرجعية دينية واحدة متمثّلة في الدعوة السلفية في الإسكندرية.

ثم تحوّلت الأزمة إلى حملة مِن الطرد المتبادل للأعضاء بين الطرفَين قبل أن يدخل مشايخ الدعوة السلفية على خطّ الوساطة بينهما، وقد انتهى الصراع حين استقال عبد الغفور وأعضاء آخرين مِن حزب النور ليؤسّسوا حزب الوطن في كانون الثاني / يناير 2013.

ذهب كلٌّ مِن الحزبين في حال سبيله، وساءت العلاقة بين حزب النور وجماعة الإخوان المسلمين إلى درجة أن حزب النور أيّد في تموز / يوليو 2013 التدخل العسكري ضد الرئيس السابق محمد مرسي المدعوم مِن الإخوان، في غضون ذلك واصل حزب الوطن وقوفه إلى جانب الإخوان وتأييده لمرسي من خلال الانضمام إلى التحالف الوطني لدعم الشرعية، وبعد أن تبيَّن أن هذا التحالف يفتقر إلى إستراتيجية سياسية أو مستقبل سياسي، انسحب حزب الوطن منه، لكنه بقي خارج العملية السياسية الجديدة التي أفرزها تدخّل القوات المسلحة.

في المقابل، شارك حزب النور في المسار السياسي الجديد، وانضم إلى اللجنة التي تولّت تعديل الدستور الذي اعتُمد في ظل حكم الإخوان، ودعمَ ترشيح عبد الفتاح السيسي للرئاسة، ومع أن شعبية حزب النور تراجعت؛ إلا أنه يخوض المنافسة في الانتخابات التشريعية الراهنة التي تنتهي جولتها الثانية في أوائل كانون الأول / ديسمبر 2015.

الصفحة التالية