تعليق على بحث "مستقبل السلفية السياسية في مصر وتونس"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
في تونس، تُعتبر جبهة الإصلاح الحزب السلفي الأكثر نشاطًا على الأرض، وقد نالت الجبهة الترخيص القانوني لممارسة نشاطها كحزب سياسي في آذار / مارس 2012 في ظل حكومة حزب النهضة الإسلامي الذي أسّسه في العام 1981 مفكّرون إسلاميون تأثّروا بفكر الإخوان المسلمين في مصر، وكانت الحكومة الانتقالية التي تشكّلت في تونس في أعقاب إطاحة بن علي قد رفضت منح حزب جبهة الإصلاح الترخيص القانوني؛ لأن بعض مؤسّسيه أُحيلوا إلى المحاكمة بسبب أنشطتهم الدينية في عهد بن علي.
على مستوى الأداء السياسي، وخلافًا لما حقّقه حزب النور في العام 2011، لم يفُز حزب جبهة الإصلاح بأي مقعدٍ في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (الذي أُوكلت إليه مهمة وضع الدستور الجديد لمرحلة ما بعد الثورة) التي أُجريت في تشرين الأول / أكتوبر 2011 حين ترشّح أعضاء جبهة الإصلاح كمرشّحين مستقلّين، أو في الانتخابات التشريعية التي عُقدت في تشرين الأول / أكتوبر 2014. وكان السبب في ذلك افتقار حزب جبهة الإصلاح إلى قاعدة شعبية يمكن التعويل على دعمها في الانتخابات؛ إذ ليس في تونس حركة سلفية قوية على غرار الدعوة السلفية في مصر، ومع أن نظام بن علي سمح للسلفيين بممارسة بعض الأنشطة المحدودة، إلا أن نطاقها لم يكن كافيًا لبناء شبكات دينية واجتماعية، إذن، في حين أن حزب النور حظي بالدعم مِن شبكة العلاقات التي نسجها قبل العام 2011، بدأ حزب جبهة الإصلاح في أعقاب كانون الثاني / يناير 2011 في بناء شبكة داعميه مِن الصفر.
يعطي كلٌّ مِن حزب النور وجبهة الإصلاح الأولوية إلى مسألتَي الهوية والشريعة، فوفقًا لحزب النور الهوية المصرية هي الهوية الإسلامية العربية بحكم عقيدة ودين الغالبية العظمى مِن أهلها، وعلى الشريعة الإسلامية أن تكون المصدر الوحيد للتشريع، كذلك يدعو حزب جبهة الإصلاح إلى ضرورة إنشاء دولة إسلامية تطبِّق الشريعة في مختلف جوانب الحياة، ويشدّد على ضرورة أن تكون الشريعة الإسلامية المرجعية الأساسية في صياغة الدستور التونسي.
التحدّيات التي تواجه السلفية السياسية في مصر وتونس:
ثمة أسباب عديدة للتراجع الذي مُني به حزب النور على مدى العامَين الماضيَين، ولفشل حزب جبهة الإصلاح في تحقيق مكاسب سياسية؛ إذ يواجِه السلفيون في مصر وتونس عددًا مِن التحديات، مثل: انحسار مشروع الإسلام السياسي السلمي، وصعود السلفية الجهادية، والعلاقة الملتبسة بيْن النشاط الديني والنشاط السياسي، وأخيرًا غياب الرؤية السياسية حول شكل الدولة ودور الشريعة.
مِن الضروري تخطّي هذه العقبات لاستعادة ثقة الناخبين الإسلاميين في الأحزاب السياسية السلفية ومشاريعها السياسية، وهي خطوةٌ ستتيح لهذه الأحزاب أيضًا فرصًا جديدة للتنسيق مع القوى غير الإسلامية حول عددٍ مِن القضايا المشتركة.
الأهمية المتزايدة للسلفية الجهادية:
مع أن الأحزاب السلفية تتبنّى أيديولوجيا دينية محافظة، إلا أنها سلمية عمومًا، وتوافق على الآليات الديمقراطية باعتبارها وسيلة لتحقيق أهدافها، في كلٍّ مِن مصر وتونس أثّر تراجع هذا النهج على قُدرة الأحزاب السلفية على البقاء والاستمرار.
في مصر، تُعزى بعض المشاكل التي تواجِه الأحزاب السلفية إلى الإخفاقات السياسية التي تكبّدتها جماعة الإخوان المسلمين، فجماعة الإخوان التي تسنّمت السلطة في العام 2012، اتبعت نهجًا سلميًّا وتدريجيًّا في العمل السياسي، وشكَّل فوز مرسي مرشّح جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية في حزيران / يونيو 2012 انتصارًا لمنهجها على السلفية الجهادية، إلا أن عزل مرسي على يد الجيش في تموز / يوليو 2013 كان بمثابة ضربة لهذا النهج.
ظنَّ البعض أن فشل جماعة الإخوان في إدارة مؤسسات الدولة المصرية بشكلٍ فعّال، ثم استبعادها مِن الحياة السياسية، يمكن أن يصبّا في صالح حزب النور المنافس الرئيس للإخوان على الساحة السياسية الإسلامية، لكن فشل الإخوان هو أكثر مِن مجرّد فشلٍ لَحِقَ بمنظمةٍ سياسية، بل ترى فئات واسعة في صفوف القاعدة الشعبية الإسلامية أن فشل المشروع السياسي لجماعة الإخوان أدّى إلى فقدان الثقة في العمل السياسي السلمي كوسيلةٍ للتغيير، وفيما ترك بعضُ السلفيين العمل السياسي وعادوا إلى العمل الدعوي، اختار آخرون الانضمام إلى المجموعات السلفية الجهادية لبناء دولة إسلامية بالقوة، فالإنجازات التي حقّقتها مجموعات، مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة في سورية بشكلٍ خاص، صوَّرت استخدامَ القوة على أنه خيارٌ فعّال.
بدأ حزب النور يواجه تحديات كبيرة مِن حركة السلفية الجهادية خلال السنتين الأخيرتين، وبعد أن دعم هذا الحزب التدخّل العسكري ضدّ جماعة الإخوان المسلمين في تموز / يوليو 2013، واجه انتقادات مِن قِبَل بعض مؤيّديه الذين اعتبروا أنه قد تخلّى عن المشروع الإسلامي، وتصاعدت هذه التوترات في تشرين الأول / أكتوبر 2015 مع اغتيال المرشّح البرلماني عن حزب النور في شمال سيناء من قِبَل مقاتلين سلفيين جهاديين.
ويواجه حزب جبهة الإصلاح التونسي تحديات مماثلة، فحزب النهضة الإسلامي الذي فاز في أول انتخابات عُقدَت بعد انتفاضة تونس في تشرين الأول / أكتوبر2011، ترأس الحكومة التونسية، لكن الحزب ترك الحكم بعد أن تبوّأ المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في تشرين الأول / أكتوبر 2014، وعلى الرغم مِن أنّه لم يتمّ إقصاؤه عن الحكم بالقوة، كما هو حال جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إلا أن هناك شرائح مِن الشباب المنتمين إلى الحركة الإسلامية الذين يعتبرون أن حزب النهضة فشل هو الآخر في بناء دولة إسلامية.