شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليق على بحث "مستقبل السلفية السياسية في مصر وتونس"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

(5) تبنى الإعلام الإخواني خطابا مؤقتًا يزهِّد في العملية السياسية واعتبارها عبثًا؛ لأنهم اختاروا النهج الثوري الذي يتبع أساليب كثيرة هي مِن وجهة نظر السلفيين أساليب صدامية، وبالتالي أوجد هذا مناخًا عامًّا رافضًا للمشاركة السياسية.

وتغلب حزب النور على هذا المناخ بصورة أو بأخرى حتى جاءت الحملات الإعلامية المنظمة التي شنتها وسائل الإعلام الممولة مِن رجال أعمال يتعاملون مع السوق السياسي بنفس منطق السوق التجاري في محاولة استنساخ تجربة "أحمد عز" القاسية، ووجَّه هؤلاء تهمًا لحزب النور بأنه الوجه الآخر للإخوان، والوجه الآخر لداعش! فأوجد هذا نوعًا مِن الإحباط العام لا يشغل بال حزب النور فقط، ولكن يشغل بال الدعوة السلفية، وكل أصحاب المنهج الإصلاحي خوفًا مِن أن يؤدي المناخ العام إلى انتشار الفكر الصدامي كما رصد الكاتب.

(6) يحاول حزب النور دائمًا أن يفتح باب عضويته، بل الترشح على قوائمه لكل مَن يحترم مرجعية الشريعة الإسلامية، وأما باب التعاون فأظن أنه أشمل مِن هذا، ويكفي أن يكون الموضوع المطروح متفقًا على أهميته بيْن الطرفين، ومِن ثَمَّ يقف الحزب وراء الحفاظ على الدولة، ويقف الحزب أمام أي عدوان على أقباط مصر أو أي عدوان على زائري مصر، وله بياناتٍ واضحة في واقعة مقتل الأقباط في ليبيا، وفي استنكار الحوادث الإرهابية في العالم أجمع، ومِن آخرها حادث فرنسا.

(7) لم أكن أفضِّل أن يخوض الباحث في واقعة محمد يسري -رحمه الله تعالى-؛ فالرجل رحل عن عالمنا، وهو للعلم لم يترك النور إلى الوطن، وإنما تركه لحزب الدستور، وفي فراش مرضه أبدى ندمًا على هذا الأمر أيضًا، وهذا ما يؤكد أن محمد يسري -رحمه الله- كان مترددًا بيْن أن ينخرط في حزب سياسي يدافع عن مرجعية الشريعة التي يؤمن بها وبين أن يكتفي بالانخراط في حزب يدافع عن الحريات ولا يهتم بوضع ضوابط هذه الحرية، وبالتالي فقصة محمد يسري مِن أولها إلى آخرها واقعة شديدة الخصوصية.

(8) حزب النور يتبنى مرجعية الشريعة، بمعنى أنه يرى أن الدين حاضر دائمًا بالشريعة "والتي بطبيعتها تمثـِّل ضوابط عامة للاجتهاد البشري في تنظيم الحياة".

وأما العلاقة بين الدعوة السلفية وحزب النور فيمكن هنا أن نسلك طريقة التعريف بالمثال، فنقول: إنه أشبه ما تكون بعلاقة حزب العمال في بريطانيا بالنقابات العمالية هناك، وهو أمر ليس ببدع مِن الأحزاب السياسية في العالم كله "حزب وحاضنة اجتماعية له".

وحزب النور يسعى دائمًا لتوسيع حاضنته الاجتماعية، ولكنه لا يستطيع أن ينفصل عن مشروعها، وفي ظل هذه العلاقة يكون هناك نوع مِن التأثير المتبادل بين الحزب والدعوة في المشروع الفكري لها دون تداخل في هيكلة كل منهما.

ومِن هذا المنطلق أكتب أنا مثلاً كواحد ممن يرى أن مشروع حزب النور يمثـِّل توجهه السياسي، وإذا جاز للباحث مشكورًا أن يقدِّم أطروحته لحزب النور مِن موقعه كباحث في العلوم السياسية؛ أفلا يجوز لمن يرون في الحزب أنه يمثِّل ذات التوجه الفكري لهم أن يؤيدوه في مؤتمراته الانتخابية أو يكتبوا مقالاتٍ توجيهية في شأنه أو يناقشوا بعض الأطروحات المعروضة عليه؟!

ومِن العجيب أن عالم الأحزاب في مصر يشهد وجود أحزاب مَلكية خاصة ينشئها رجل أعمال، ولا يكون عضوًا فيها، ولا يشغل فيها منصبًا تنفيذيًّا وإنما يتعامل معها ماليًّا وإعلاميًّا كإحدى شركاته تمامًا، ومع هذا لا ينشغل به الإعلام "لأنه واحد مِن أباطرته"، وهذا بدوره يؤثر على كثير مِن الأوراق البحثية المقدَّمة في هذا الشأن.

(9) تبدو تلك المقاربة قريبة جدَّا مما يطرحه السلفيون الإصلاحيون، والدعوة السلفية تتحدث دائمًا عن "إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع وإصلاح الدولة"، وترى أنها مراحل متوازية ومتعاقبة في منظمة عمل متوازية، بمعنى أنها جميعًا يجب أن تعمل جنبًا إلى جنب، ومتعاقبة مِن حيث الأثر بحيث إن ناتج كل منها هو مؤثر في الأخرى، وبالتالي ترى الدعوة السلفية إن إصلاح المجتمع أوسع بكثير مِن إصلاح الدولة، وترى أن إصلاح الدولة يخضع لاعتبارات المصالح والمفاسد "وهو ما يقابل فن الممكن في عالم السياسة، ولكن مع الحفاظ على الثوابت الأخلاقية وإجراء هذه الموازنة بين المصالح والمفاسد وفق قواعد شرعية وواقعية واضحة وشفافة"، ومع هذا يبقى أن هذا الجانب يحتاج إلى مزيدٍ مِن البسط لم تسمح بها الظروف التي أشار إليها الباحث.

الصفحة السابقة