شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليق على بحث "مستقبل السلفية السياسية في مصر وتونس"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

أتى الأستاذ في العلوم السياسة (ألفريد ستيبان) بنظرية قد تساعد الأحزاب السلفية على حلّ العلاقة الإشكالية بين الدين والدولة، فاستخدم مصطلح "كيان الحكم" ( polity ) التي تتضمّن بحسب قوله، ثلاثة مجالات: (الدولة، المجتمع السياسي، والمجتمع المدني)، ستتطلّب المحاولات لوضع رؤية سياسية مِن جانب كلٍّ مِن حزب النور وحزب جبهة الإصلاح تجاوز برامجهما السياسية العامة، والقيام بجهدٍ فكري لبلورة رؤية تبيِّن شكل وطبيعة دور الشريعة على كل هذه المستويات؛ إذ أن تقليص الدولة إلى شكل مِن السلطة السياسية وحسب، حفّز الأحزاب السلفية وغيرها مِن الأحزاب الإسلامية على صبّ جهودها على تطبيق الشريعة مِن أعلى، أمّا "كيان الحكم" ( polity ) فهو على عكس ما سبق يفتح آفاقًا جديدة للتبصّر بالعلاقة بين الشريعة وبين كلٍّ مِن هذه المستويات.

وفي هذا الإطار ينتقل السؤال مِن مسألة ما إذا كان يجب تطبيق الشريعة إلى أي أحكام مِن الشريعة ينبغي تطبيقها؟ وعلى أي مستوى؟ ويتعيّن على حزب النور وحزب جبهة الإصلاح أن يقرّرا أي أحكام يجب على الدولة اتّباعها، وأي أحكام يمكن تبنّيها في خططهما داخل المجتمع السياسي، وأي بنود يمكن إبقاؤها في عهدة مؤسسات المجتمع المدني كي تعمل على نشرها مِن خلال أنشطتها الدينية والاجتماعية.

خاتمة:

في ضوء فَشل الطبقة السياسية العربية في تأمين نموذجٍ بديل للتغيير السياسي السلمي غداة الانتفاضات العربية، فإن العديد مِن الشباب الغاضبين الذين نزلوا إلى الشوارع بشكلٍ سلمي للمطالبة بالتغيير، لا يجدون خيارات عدة لانتهاج التغيير الذي يرغبون فيه، فيبرز الجهاد كخطّة بديلة لتغيير أشكال السلطة في الدول العربية.

في هذا السياق يجدر بالطبقة السياسية العربية -وبالأخصّ الحركات السياسية الإسلامية- أن تعيد النظر في مواقفها السياسية؛ هذا إذا ما أرادت أن تصيغ خططًا سياسيةً قادرة على أن تستعيد ثقة شرائح مِن المجتمع تميل إلى الجهاد، وأن تعيدها إلى النشاط السياسي السلمي.

وإذا كانت الأحزاب السلفية في تونس ومصر تأمل في البقاء كحركات سياسية فاعلة فعليها أن تراجع بشكلٍ جذري التحديات التي واجهتها في غضون السنوات الخمس المنصرمة، وإيجاد حلول لهذه التحديات تحديدًا، عليها أن تركّز على تأمين آليات تواصل أكثر فعاليّة مع قواعدها الشعبية داخل الحركة الإسلامية وخارجها، والتمييز بين العمل السياسي وبين النشاطات الدينية، وأخيرًا أن تصيغ برنامجًا سياسيًّا شاملاً يعيد النظر في العلاقة بين الدولة والشريعة".

تعليقات على البحث:

(1) لا شك أن حزب النور قد فقد بعد موقفه في "30-6" طائفة مِن المتعاطفين مع التيار السلفي بصفة عامة؛ إذ تأثر كثير منهم بما حدث للإخوان مما دفع بعضهم في اتجاه الخروج للمظاهرات مع الإخوان، إلا أنه وبعد أن اتجه الإخوان إلى انتهاج قدرٍ مِن العنف مرفوض سلفيًّا تراجع معظم هؤلاء عن دعم الإخوان، ولم يبقَ داعم للإخوان إلا مِن الإخوان أو مِن أنصار تيارات العنف التي تشتكي التيارات السلفية مِن ذيع تسميتها بـ"السلفية الجهادية"، رغم أن هؤلاء يعادون السلفيين الإصلاحيين عداءً وصل إلى حد اغتيال د."مصطفى عبد الرحمن" -رحمه الله وأنزله منازل الشهداء- أمين حزب النور بمحافظة شمال سيناء ومرشح الحزب هناك.

ولكن هؤلاء الذين عادوا عن دعم الإخوان: هل عادوا إلى دعم النور؟ المشاهد أن بعضهم قد عاد فعلاً إلى دعم النور، بينما يعيش كثير منهم حالة مِن الصمت والكمون وفقدان البوصلة بصورة أو بأخرى، وهي فترة طبيعية متوقعة لمن يعود مِن طريق إلى آخر.

وأما نتيجة الانتخابات فمن ناحية قياس الشعبية؛ فقد حقق حزب النور نحوًا مِن 30% مِن أصوات قائمة غرب، وهي ذات النسبة التي حققها في أوج رواجه، وإنما المشكلة في نظام الانتخابات كما فصَّلتُ ذلك في مقالة: (تحليل نتائج حزب النور في المرحلة الأولى من انتخابات 2015).

(2) رواية الكاتب لنشأة حزب النور ثم لانفصال الوطن عنه اعتراها كثير مِن عدم الدقة، ولعل هذا ما وصله، والخلاصة -ودون الخوض في تفاصيل-: فيمكن القول بأن الممارسة السياسية أفرزت كتلتين في الحزب اختلفتا في الرؤى، انفصلت الكتلة الأصغر بطبيعة الحال في كيان جديد، وهو حزب الوطن، بينما بقيت القواعد كلها تقريبًا مع حزب النور؛ مما دفع حزب الوطن بعد الانفصال لتقديم نفسه كممثل للتيار السلفي العام إلا أنه نازعه في هذا حزب الأصالة، وحزب الفضيلة، ومشروع حزب الراية، كما أن الأحداث ووقوف كل هذه الأحزاب مع الإخوان -والذين جنحوا فيما بعد إلى العمل الثوري- جعل كل هذه الأحزاب أحزابًا سياسية بلا عمل سياسي، وبلا قواعد، حيث أصبحت القواعد الفاعلة في هذا التيار ما بين شخص إخواني محافظ على انتمائه وما بين عضو في التيار الثوري العام.

(3) وافق حزب النور على صيغة المادة الثانية في الدستور المصري وفيها أن الشريعة المصدر "الرئيسي" وليس الوحيد، وفي الواقع أنه لا يوجد فرق بيْن الأمرين إذا علمنا أن الشريعة الإسلامية في باب المعاملات تضع ضوابط، وتمنع بعض صور المعاملات التي تعود بالضرر على الجانب الإنساني في المعاملات المادية مثل: "الربا والقمار"، ويبقى أن الأصل في أي صورة معاملة الإباحة طالما لم يوجد فيها شيء مِن المنهيات، كما تفتح الشريعة باب إلزام الناس في المعاملات بإلزامات يقتضيها الواقع طالما كانت محققة لمقاصد الشريعة، بما يعرف بالمصالح المرسلة.

(4) لقد حاول حزب النور المحافظة على التجربة الديمقراطية والخروج مِن الدوامة التي وضع الإخوان فيها أنفسهم بأقل الخسائر؛ فاقترحوا على د."مرسي" بعض الإجراءات كتغيير رئيس الوزراء، والحوار مع المعارضة، ثم لما خرج الناس ضده؛ نصحوه بالاستجابة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة "وهو ما ادعى الإخوان لاحقًا أنهم كانوا مستعدين له، ولو فعلوه لانتهت المشكلة"؛ فتدخل الجيش بناءً على إنذارين وجههما قبل عزل د."مرسي" والذي فسَّره حينئذٍ بأنه إنذار للمعارضة رغم أن الظاهر كان خلاف ذلك، وبالتالي تدخل الجيش بعد الإنذارين.

وشارك حزب النور في مرحلة ما بعد د."مرسي" كأي حزب سياسي يريد أن يبقي لرؤيته مَن يدافع عنها سياسيًّا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية