توحيد الألوهية... شرح المنة (17)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
لما كان توحيد الربوبية وكذلك توحيد الأسماء والصفات توحيداً علمياً خبرياً اعتقادياً، فإن توحيد الإلهية توحيد عملي طلبي من فعل العبد.
فتوحيد الربوبية: هو توحيد الرب بأفعاله -عز وجل- فهو الذي يخلق ويرزق ويُحيي ويُميت.
أما توحيد الألوهية: فهو توحيد الرب -عز وجل- بأفعال العباد، فالعبد هو الذي يصلي ويصوم ويركع ويسجد ويُزَكِّي ويخاف ويرجو ، فإذا وجَّه هذه العبادات لله وحده لا شريك له فهذا هو توحيد الألوهية.
فتوحيد الألوهية: هو توجُّه العبد بكل عباداته وأفعاله الظاهرة والباطنة لله وحده ، والكفر بكل ما يُعبد من دونه من الطواغيت، فلا يتوجَّه العبد لغير الله بشيءٍ من ذلك ، ويعتقد اعتقاداً جازماً أن أي أحد يتوجه لغير الله بشيء من العبادة فقد عَبَدَ غير الله وفعله باطل، ويجب على العبد أن يكره ذلك الباطل ويبغضه، ويرد هذا الشرك بالله -عز وجل-، وهذا هو معنى الكفر بالطاغوت، أن يكره هذا الطاغوت، ويكره من يُعبَد من دون الله وهو راضٍ ومَن يعبده، ويُبْطِلُ ذلك ويعتقد أنه عبادة باطلة، فلا معبود بحقٍّ إلا الله، فهذه الجملة فيها نفي الألوهية عن أي أحد وإثباتها لله -عز وجل-.
فالإله : هو المعبود المُطاع، والذي تميل إليه القلوب وتشتاق إليه، فهذه معاني الإله، وهناك معنى آخر للإله، وهو الذي تحار فيه العقول، والله وحده هو الذي له هذه المعاني بحق، بمعنى أن الله وحده هو المعبود بحق، وهو الذي تميل إليه القلوب، فالقلوب فُطِرَتْ على أن تميل إلى الله -سبحانه وتعالى- فلو مالت لغيره فإنها تشقى أعظم الشقاء، ففي الإنسان حاجةٌ ضرورية إلى التعبد لله -عز وجل-، أشد من حاجته إلى الطعام والشراب، فكما أنه محتاجٌ إلى الله رباً يرزقه الطعام والشراب وأسباب حياة بدنه، فهو كذلك محتاجٌ إلى الله إلهاً، محتاجٌ إلى أن يتوجه بالركوع والسجود والحب والخوف والرجاء لله -سبحانه وتعالى-، فهذا معنى الذي تميل إليه القلوب وتشتاق، يقال: (وَلَهَ الفَصِيل إلى أُمِّه) أي مال إليها واشتاق إليها، فالقلب فيه حاجةٌ ضرورية إلى أن يشتاق لله -عز وجل-، فلو وُجِّه لغيره فإنّه يشقى أعظم الشقاء، والشقاء الموجود في الدنيا والآخرة سببه أن القلوب وُجِّهتْ إلى حب غير الله والخضوع لغير الله، والعبادة أساسها غاية الحب مع غاية الذل، فإذا لم يكن هناك حب لم تكن هناك عبادة، وكذلك أساسها الخضوع والانقياد.
الكفر بالطاغوت
قال -تعالى-: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256) ، والعروة الوثقى هي كلمة لا إله إلا الله ، فالمُسْتَمْسِكُ بها هو الذي يَكفر بالطاغوت أي يَكفر بكل ما يُعبد من دون الله ويؤمن بالله -عز وجل- .
الطاغوت : يشمل كل ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ . والطاغوت أصله في اللغة من طغى أي : جاوز الحد .
قال ابن القيم رحمه الله : « الطاغوت : كل ما جاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم مَن يتحاكمون إليه مِن دون الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله -عز وجل- ، أو يتبعونه على غير بصيرةٍ من الله ، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنّه طاعة لله » ا.هـ ، فإن كان المعبود صالحاً ، وهو يَأْبَى أن يُعبد من دون الله ، صارت العبادة للشيطان الذي أمر بها ، وصار من أمر بهذه العبادة هو الطاغوت ، كما قال -تعالى-: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يّـس:60)، وقال -عز وجل-: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) (سـبأ:40)، وإن كان المعبود ممن يدعو لعبادة نفسه ، أو يرضى بذلك ، أو حجراً أو شجراً أو نحو ذلك صار هو الطاغوت الذي أمر اللهُ عبادَه أن يكفروا به ويتبرؤوا منه.
ورؤوس الطواغيت خمسة:
الأول: الشيطان الداعي لعبادة غير الله ، وهو يدعو إلى عبادة نفسه دون طاعة الرحمن ، وطاعة الشيطان في الكفر بالله وتكذيب رسله هي عبادته من دون الله ، وأما طاعته في المعاصي التي يأمر بها مع اعتقاد القلب لحرمتها ، وبقائه على أصل الإيمان بالله ورسله فهي ليست طاعة تامة ، إذ مقصوده الأعظم ـ وهو القلب ـ لم يتحقق ، ولذا فَرَّقَ القرآن بين الشرك وما هو دونه : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) (النساء:48)، وكذا نصوص السنة والإجماع في التفريق بين الكفر وما دونه من المعاصي .
وحَدُّ العبد الذي لا يجاوزه: أن يدعو إلى عبادة الله وطاعته ، فإذا جاوز ذلك ودعا إلى عبادة نفسه من دون الله فقد طغى وجاوز الحدَّ ، فهو طاغوت.
الثاني : الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله ، وهو طاغوت بنص القرآن ، قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) (النساء:60-61)، وقال -تعالى-: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:21)، وذلك لأن حدَّ العبد : أن يكون حاكماً بشرع الله ، محكوماً به ، متحاكِماً إليه ، فإذا جاوز العبد حده وادَّعى لنفسه صفة الربوبية وحق الألوهية ، في أن يحكم بما يراه دون شرع الله فقد طغى ، فهو طاغوت .
