توحيد الألوهية... شرح المنة (17)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الثالث: الحاكم الجائر الذي يغير أحكام الله، وهو قريب من الذي قبله، إلا أن هذا النوع يَدَّعي لنفسه حق التبديل والتعديل على أحكام الله من قِبَلِ نفسِه، كالأحبار والرهبان وشيوخ الضلال، والذي قبله يَدَّعي لنفسه حق الاستقلال بالحكم : كالعلمانيين، والقانونيين الوضعيين، الذين يخترعون الأحكام من هوى أنفسهم، قال -تعالى-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31)، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس:15).
الرابع : الكاهن الذي يدعي معرفة الغيب من دون الله ، قال -تعالى-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59)، وقال: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (الجـن: 26-27). وذلك أن حد العبد أن لا يَدَّعِي العلم إلا بما أعلمه الله ، ومن صفات الربوبية التي استأثر الله بها : علم الغيب ، فإذا جاوز العبد حده وادعى لنفسه صفة الربوبية فقد طغى ، فهو طاغوت .
الخامس : الساحر الذي يَدَّعِي مِلْكَ الضر والنفع ، والخلق ، والإحياء والإماتة ، وتقليب القلوب ؛ لصرفها أو عطفها على ما يريد ، وكل هذه من صفات الربوبية ، فإذا جاوز العبد حد العبودية ، ونسب لنفسه ذلك ، فهو طاغوت ، قال -تعالى-: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102)
صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وبطلان ما ادَّعاه الطواغيت لأنفسهم من صفات الربوبية أو حقوق الألوهية، وتبغضهم، وتعاديهم، وتعتقد كفر من عبد الطاغوت، وتُصَرِّح بعداوتهم ، وتسعى بكل ما تقدر عليه باللسان واليد والمال لإبطال عبادة الطواغيت حتى يكون الدين لله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ) ( ) ، وهذا مصداق قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (لأنفال:29)، فالجهاد الإسلامي غايته تحقيق التوحيد ، وإزالة عبادة الطواغيت ، كما قال رِبْعِيُ بن عامر -رضي الله عنه- لِرُسْتُم قائد الفرس : « الله ابتعثنا لِنُخْرِجَ مَن شاء من عِبادة العِباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ، فمن قَبِلَ ذلك قَبِلْنَا منه ورجعنا عنه ، ومن أبَى قاتلناه أبداً حتى نُفضي إلى موعود الله » ( ) .
وقال الله -تعالى-: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 161-163)
النُسك : أي الذبح أو العبادات عموماً ، و (مَحْيَايَ) : أي حياتي كلها لله، و (مَمَاتِي) : أي أموت أيضاً بأمر الله -عز وجل- وأموت على ما يأمرني الله -عز وجل- به أي أموت مسلماً كما أمرنا الله -تعالى- : ( فَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: من الآية132)، (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أن أفعل، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) فأُمِرَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أول المسلمين من هذه الأمة .
وهذه العبادات من الصلاة ، والنُسك ، والحياة على الشرع ، والموت على دين الله ، كلها أفعال وعبادات يجب أن يتوجَّه بها الإنسان إلى الله -تعالى- ، لا أن يعيش للبلد الفلاني أو يموت له ، فماذا يبقى لله -عز وجل- ؟!
بل الإنسان يعيش لله ، ويموت لله -سبحانه وتعالى-، وليس أنه يعيش لقطعة أرض مخلوقة يطأ عليها ، ولا تَعقل شيئاً ، بل هي مَرْبُوبةٌ لله -عز وجل- , مخلوقة مسخرة له -سبحانه وتعالى- تسير كما أمر الله -تعالى- ، فكيف يكون دمنا وروحنا فداءً لها ؟ بل يكون فداءً لدين الله -عز وجل- ويتوجه له سبحانه ( ) .
( ) رواه أحمد (5094) ، وابن أبي شيبة (5/313) ، وعبد بن حميد (848) ، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (231) ، وابن الأعرابي في المعجم (1137) من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2831) .
( ) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (4/40) .
