شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أمريكا وإعادة تسكين الجهاديين في العالم الإسلامي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

تعليقًا على مواقف أمريكا من "داعش والحوثيين" والربيع العربي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

إن المتأمل في السياسة الأمريكية تجاه عددٍ من الملفات الساخنة في العالم الإسلامي سيجد أن أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الأمريكية هو خلق "بؤر صراعات داخلية" تأخذ طابع المواجهة بين الجهاديين وبين الأنظمة الحاكمة، بحيث يتم في النهاية استيعاب جميع الجهاديين في صراعات مع هذه الأنظمة؛ فيقل أو يتلاشى التيار الذي ينادي بالمواجهة مع الدول غير الإسلامية.

ولكن يجب أن ندرك أولاً أن السياسة الأمريكية تتسم بقدر كبير مِن المرونة، وتهدف إلى عددٍ من الأهداف الكبرى، منها: "مشروع الشرق أوسط الكبير"، ومنها: "مشروع إعادة تسكين الجهاديين"، وأنها شأن غيرها تصنع بعض الأحداث، وتستثمر البعض الآخر، وأنها ربما وظـَّفتْ حدثًا ما لصالح أحد أهدافها؛ فإذا فشلتْ حاولت توظيفه في اتجاه هدفٍ آخر كما ستأتي أمثلة لذلك -إن شاء الله-.

أولاً: إعادة تسكين الجهاديين إحدى مكاسب الأمريكان مِن وراء "داعش":

كنا قد تناولنا في مقالة "داعش والحقائق الثلاث: الغلو في التكفير - هوس إقامة الدولة - توظيف الأعداء لتطرفهم" النقاش حول تنظيم داعش، وما يردده البعض مِن أن داعش صنيعة للمخابرات الأمريكية أو الإيرانية، وذكرنا أنه على أقل الأحوال فإن أمريكا وإيران هم أكثر الأطراف استفادة من وجود "داعش"، وأن "أهل السنة" هم أكثر الأطراف تضررًا من وجودها حيث تُنسب إليهم جميع أخطائها في الوقت الذي توجِّه فيه داعش ترسانتها العسكرية في معظم الأحيان إلى أهل السنة حيث تتبنى إستراتيجية "قتال العدو القريب أولاً!".

ولن نعيد الكلام هنا حول داعش ونشأتها، ولكن يكفي هنا أن نؤكد على أن داعش تمثـِّل أكثر صور سياسة "العدو القريب أولاً" تطرفًا؛ حيث إن داعش تخطت مرحلة اعتبار الحكومات هي العدو الأقرب، بل زادت على ذلك أن اعتبرت أن فصائل الجهاد التي لا تقر لخليفتهم المزعوم بالخلافة ستعتبر عدوًا قريبًا إذا ما قورن ببشار!

كما أنهم يرون أن قتال حكومات السعودية والكويت ومصر -رغم البعد الجغرافي- هي أولى الأولويات!

ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي:

الجهاديون بين قتال العدو القريب وقتال العدو البعيد:

إن إستراتيجية أن قتال "العدو القريب" أولى مِن قتال "العدو البعيد" هي الإستراتيجية التي قامت عليها الكثير مِن التنظيمات المسماة بالجهادية منذ ستينيات القرن الماضي، وعبَّر عنها بوضوح "سيد إمام" في كتاب "العمدة في إعداد العدة".

والعدو القريب هنا في اصطلاح هذه التيارات هي الحكومات التي يرونها مرتدة، وكثير منهم يرى ردة المجتمعات أيضًا، أو -على الأقل- يرى أنه لا بأس بعمل عمليات يعم ضررها بتأويل باطل لحديث: ( يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) (متفق عليه) ، ورغم هذا فقد جذبت ساحة الجهاد الأفغاني عددًا كبيرًا من هؤلاء، كما جذبت عددًا كبيرًا من الشباب الإسلامي الذي لم يتورط في عنف ولا في تكفير، وإنما ذهب ليقاتل الروس الذين عاثوا في أفغانستان فسادًا.

وبعد هزيمة الروس، وبقاء عددٍ كبير مِن المجاهدين غير الأفغانيين هناك على اختلاف مناهجهم -لا سيما فيما يتعلق بالعنف والتكفير-؛ نشأ في النهاية تنظيم القاعدة برعاية "ابن لادن"، ومن الواضح أن النشأة السلفية لـ"ابن لادن" قد أثـَّرت عليه في جانب مراعاة حرمة المسلمين، فأثر في المجموعات الجهادية في هذه الناحية، وإن كان قد تأثر بهم أو وافقهم -على الأقل- في إغفال أمورٍ في غاية الأهمية فيما يتعلق بقتال الكفار.

وهي:

1- عدم التزام أفراد التنظيم بعقود الأمان التي بينهم وبيْن الكفار عن طريق تأشيرات الدخول التي يحصلون عليها.

2- إهدار عقود الأمان التي تمنحها حكومات الدول الإسلامية لزائريها.

3- عدم مراعاة المصالح والمفاسد فيما يَقدمون عليه مِن تصرفات.

والحاصل أن تنظيم القاعدة قد أصَّل لنظرية أن العدو البعيد هو رأس الأفعى، ومِن ثَمَّ فإن قتاله أولى.

وقد ساعد على انتشارهم أن بعض مواجهاتهم كانت تمثِّل جهادًا شرعيًّا، مثل: المواجهات مع كفار محتلين لبلاد مِن المسلمين حتى مع الإنكار الشديد الذي وجهه لهم علماء السلفية لعملياتهم التي نفذوها بالإخلال بالشروط السابق الإشارة إليها، ومع هذا فقد استوعبت القاعدة معظم الجهاديين وقلت أو اضمحلت عملياتهم في بلادهم الأصلية.

ومع مواجهات "أبي مصعب الزرقاوي" مع الأمريكان ثم مع الحكومة الشيعية في العراق، ورغم تحالفه مع القاعدة؛ إلا أنه بدأ في إعادة سياسة "البدء بالعدو القريب"، وأبو مصعب الزرقاوي تلقى تعليمه على يد "أبي محمد المقدسي" الذي تلقى تعليمه على يد "محمد بن سرور بن نايف" زين العابدين، وقد ذكرنا سمات في هذا التوجه الموسوم بالسروري تفتح الباب للانزلاق إلى صور من الغلو.

منها:

1- عدم الاكتراث بتطبيق قضية العذر بالجهل على الحكام خاصة، وهو ما يتحول إلى اتجاه لعدم تطبيقه مع كل مَن تحمل خصومة له.

2- عدم العناية بتوضيح المناطات المكفرة، والمناطات غير المكفرة في الأمور التي تدخل في معاني التوحيد: كالحاكمية، والولاء والبراء.

3- عدم العناية بتوضيح ضوابط الجهاد، والرد على مَن يمارس قتالاً غير شرعي تحت مسمى الجهاد، وربما تعمد البعض ذلك مِن باب أن "ترك الجاهل بأحكام الجهاد يؤدب الخصم".

وقد ترتب على هذا توسع أبي مصعب الزرقاوي في تكفير الشيعة بالعموم، وتكفير كل مَن يحمل السلاح مِن القبائل بالعموم؛ لمجرد ثبوت التعاون بين بعض القبائل وبين الأمريكان!

وكعادة هذه التيارات التي تفشو فيها ظاهرة انتظار الخلاص القدري والقفز فوق الأسباب، أبدى الزرقاوي إعجابه الشديد بالجهيمان الذي ادعى المهدية وحاول السيطرة على الحرم في الأحداث الشهيرة.

وورث "أبو عمر البغدادي" هذه الآفات مِن الزرقاوي، وزاد عليها بتوهم أن ما تحت يده من أراضٍ في العراق تمثـِّل دولة؛ فأعلن دولة العراق الإسلامية، ولم يلتفت إلى ردود شيخه المقدسي عليه.

الصفحة التالية