شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أمريكا وإعادة تسكين الجهاديين في العالم الإسلامي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ثم ورث الأمر "أبو بكر البغدادي"، وزاد بإعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام، ثم بإعلان الخلافة، ثم باستحلال قتال كل مَن رفض بيعته! فصرف جلَّ قتاله ضد الفصائل المجاهدة في سوريا، وهو ما استثمره بشار وأمريكا على النحو الذي بيناه في المقالة المشار إليها آنفًا، ونزيد هنا تفصيلا لأحد المكاسب الأمريكية الرئيسية الأخرى مِن وجود داعش، وهي: "إعادة تسكين الجهاديين في بلاد المسلمين".

فمع انتصارات "الزرقاوي" ثم خلفائه مِن بعده، بدأ كثير مِن منتسبي القاعدة إعادة التفكير في أيهما أولى: العدو القريب أم البعيد؟ ويَذكر المحلل السياسي "ياسر الزعاترة" أن "ابن لادن" كان يعاني في آخر أيامه من تحول معظم القيادات التي حوله إلى تبني سياسة "العدو القريب أولاً"، وهذا ما يعزز الاحتمال بأن أمريكا تريد أن تنمو إستراتيجية داعش على حساب إستراتيجية القاعدة، باعتبار أن الأُولى أخف ضررًا عليها مِن الثانية، وأن أمريكا تعمدت هي وحلفاؤها إعطاء داعش انتصارات وهمية.

وقد يُستشكل على التحليل السابق الحلف الأمريكي الذي تم تدشينه ضد داعش، ولكن عند التأمل تجد أنه يصب في ذات الاتجاه، ويتضح هذا مِن:

أ‌- مدى قوة الضربات، حيث يتضح أنها ضربات للتحجيم لا للقضاء.

ب‌- مدى تمركزها الجغرافي، حيث تتركز في الأماكن التي فيها أغلبية غير سنية، وبالتالي تريد أمريكا أن تتركها للأغلبية التي فيها لتخدم مخطط التقسيم في ذات الوقت.

ت‌- إصرار أمريكا على دخول الدول العربية في حلفها ضد داعش "رغم عدم حاجة تنظيم كهذا إلى كل هذا الحلف" على أنه تأكيد لمشهد إعادة المواجهة بين الجهاديين والأنظمة، لتنتقم داعش ممن تستطيع الانتقام منه، بينما يتولى الجهاديون في كل بلد مهمة الانتقام من الحكومات القائمة.

ثانيًا: هل كان الترحيب بحكم الإخوان لمصر جزءًا من سياسة إعادة تسكين الجهاديين؟

قد تكون أمريكا فوجئت بثورات الربيع العربي، ولكن المؤكد أنها امتصت المفاجأة بسرعة، وحاولت أن تستثمر الأحداث لصالحها، وفي الحالة المصرية يبدو أنها راهنت لفترة حول صبغ الثورة بصبغة عالمانية في محاولة منها لتحقيق مكسب إستراتيجي كبير على مستوى الفكر، حيث كانت العالمانية -وما زالت- في بلادنا قاصرة على مجموعة محدودة من الرموز يحلو لهم أن يصفوا أنفسهم بالنخبة! مما يجعل مِن إلباس ثورة شعبية ضخمة ثوب العالمانية حدثًا جللاً كان يمكن أن يغير مجرى التاريخ.

وبعد فشل هذه المحاولات "والتي اتضح فشلها بصورة قاطعة عقب أول انتخابات برلمانية"... يبدو أن أمريكا قد راهنت على استثمار الثورة المصرية في تحقيق هدف آخر من أهدافها، وهو محاولة إيجاد صيغة تساهم في عودة الجهاديين المصريين إلى بلادهم إما عن قناعة بأن الذي قام هو حكم إسلامي أو لكي ينتقموا ممن تمكنوا من إقامة الحكم الإسلامي فلم يقيموه.

ولا يخفى على أحد أن جماعة الإخوان كانت قد أعلنت موقفًا في غاية التحفظ من الهيمنة على الحياة السياسة في مصر بعد ثورة "25 يناير" حتى إن د."محمد بديع" المرشد العام للإخوان كان قد قال في معرض تعليل قرار الإخوان بعدم التقدم بمرشح رئاسي: "لأنني أحب مصر!".

ولا يخفى ما صرَّح به قيادات الإخوان أنفسهم -كما في بعض التسجيلات للدكتور "مرسي"- مِن أثر الأمريكان على تغير هذه القناعة لدى الإخوان!

كما لا يَخفى أن مِن أهم الأسباب التي منعت الإخوان مِن الالتفات المبكر ناحية حالة الغضب المؤسسي المتصاعدة هو ثقتهم في الاعتراف الدولي بشرعيتهم، ومِن ثَمَّ فقد أداروا ظهورهم للغضب المؤسسي، وتراخوا في معالجة الغضب الشعبي الذي كانوا يعلنون أنهم سيولونه اهتمامًا في الوقت المناسب.

كما لا يخفى أن الوقود الرئيسي الذي كان يحرِّك "منصة رابعة": أن العالم لم يعترف بعد بالنظام الجديد! ثم كانت تظاهراتهم في نيويورك ضد زيارة السيسي للأمم المتحدة دليلاً على أن هذا الرهان ما زال قائمًا.

والأسئلة التي تطرح نفسها:

هل كان الأمريكان صادقين حينما قالوا للدكتور مرسي أنهم يرحبون بهم في الحكم أم كانوا يحفرون لهم حفرة؟! "للذكرى: كان هناك قيد، وهو عدم التحالف مع السلفيين! ولكن لا يتسع المقال لأبعاد هذا القيد".

وإذا كانوا صادقين؛ فلماذا؟!

وإذا كانوا يحفرون حفرة... فما هي؟!

وإذا كانت فترة حكم د."مرسي" قد شهدت عودة جماعية للقيادات الجهادية؛ فلماذا قدموا وهم يرون أن مبارك ومرسي -والسيسي مِن بعد- كلهم كفار؟!

وكيف تمت تلك الهدنة بيْن الاتجاهات التكفيرية وبين الدولة في فترة د."مرسي" رغم أنهم يكفرونه؟!

وهل كان من الممكن أن ينفجر هؤلاء في د."مرسي" عند أول خلاف؟!

وهل يمكن أن تكون الإجابة أن حكم الإخوان كان سيؤدي إما إلى:

- صراع مع المؤسسات.

- أو صدام مع الواقع الاقتصادي المرير، ومِن ثَمَّ الصدام مع الشعب.

- أو الصدام مع الاتجاهات الصدامية التي بالحتم سترفع سقف طموحاتها، ولن يطول صبرها على رئيس "إسلامي" يبقى في الحكم دون أن يحدث تغييرات جذرية في النواحي التشريعية، وفي السياسية الخارجية.

وفي الواقع لقد حدث الأمران الأولان، وغذى كل منهما الآخر، وأدى حدوثهما إلى تأخير حدوث الثالث، بل إلى التعاطف الواضح من التكفيريين قولاً وفعلاً مع د."مرسي"؛ رغم أنهم كانوا قد بدأوا في تدشين حملة لتكفيره!

ويبدو أنه كانت مِن ضمن التحديات الكبرى التي كانت تواجه د."مرسي" هو التعارض الشديد بين اتقاء الاحتمال الأول واتقاء الاحتمال الثالث.

ومِن الأمثلة على ذلك: حضور "آل الزمر" احتفالات أكتوبر التي أغضبت المؤسسات، والتقارب الذي كان في بداية الأمر بين د."مرسي" وبين الرئيس السيسي -وقت أن كان وزيرًا للدفاع- أغضب الكثيرين ربما داخل جماعة الإخوان نفسها.

ويبدو أن أمريكا كانت تفضل الخيار الثالث؛ لأنه كان سيفضي إلى عودة جميع الجهاديين المصريين إلى مصر ودخولهم في حرب مع النظام في ظل حكم رئيس "إسلامي" مما كان سيزيد المشهد عبثية؛ ولعل هذا يكون أحد أسباب تفسير موقفها بعد عزل د."مرسي".

تعليق: "بين مصر وليبيا وتونس":

الصفحة السابقة الصفحة التالية