شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تجديد الخِطاب الديني بيْن المقبول والمردود

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

والمعنيان السابقان حسنان "بل مطلوبان"، وهذا بخلاف النوع الثالث الآتي ذكره؛ فهو مذموم، ومِن أجمع العبارات في الفرق بين هذا وذاك قول فضية الشيخ "أحمد الطيب" شيخ الأزهر الحالي في مناقشته لأطروحة "حسن حنفي" حول "التراث والتجديد" حيث قال فضيلته: "ثمة فرْق بيْن التجديد والتغيير، الأول: حفاظ على الأصول وإضافة إليها، ونفض لما يتراكم عليها مِن غبار يحجبها عن الأنظار. والثاني: هدم وبدءٌ جديد مِن فراغ يتم تحت أي مسمى إلا مسمى التجديد، اللهم إلا إذا كان القصد تغييب الوعي أو خداع الجماهير" (راجع كتاب "التراث والتجديد شبهات وردود"، وقد لخصناه في مقالة سابقة، بعنوان: "ضوابط تجديد التراث عند شيخ الأزهر").

المعنى الثالث "المردود": التلاعب في أحكام الدين ذاته، ويشمل صورًا تتفاوت في تطرفها وانحرافها:

- منها: استعمال منهج المواءمة بيْن الشريعة الإسلامية والحضارة الغربية؛ بحيث تصبح معطيات الحضارة الغربية هي أحد المرجحات الفقهية في مسائل الخلاف، وهذا المنهج الذي سلكه "الأفغاني" و"محمد عبده" ثم آل إلى حالة شديدة مِن إخضاع الشريعة لمعطيات الحضارة الغربية عند "الترابي" و"الغنوشي"، ولا يعني هذا أننا لسنا بحاجة إلى صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان أو أننا لا نقر أن للواقع أثرًا في الفتاوى، ولكن المشكلة في اعتبار أن للواقع أثرًا في الأحكام! "ولهذا الأمر مقام آخر في بيان ضوابط استعمال قاعدة تغيُّر الفتوى بتغير الزمان والمكان لعلنا نخصص لها مقالة قادمة -إن شاء الله-".

- ومِن أشدها خبثًا: ادعاء تاريخية الخطاب الديني، وحصر كل آية في سبب نزولها! مما يساوي عمليًّا زعم أن كل نصوص الوحي كتابًا وسنة قد نُسخت يوم نزولها، وصارت تاريخًا لكَ أن تحاكيه إن شئتَ، أو تعرض عنه إن شئتَ! "وقد ردَّ عليهم شيخ الأزهر في كتابه المشار إليه آنفًا، ونقلنا ذلك عنه في المقالة التي أشرنا إليها".

- وأما أشد هذه الدعوات خبثًا على الإطلاق: فهي الدعوة إلى نقد النصوص ذاتها، بل ربما تبجَّح بعضهم ودعا إلى نقد القرآن ذاته، والعياذ بالله!

تنبيهات هامة حول تجديد الخطاب الديني بين المقبول والمردود

- تنبيه حول القائلين بأن العبرة بخصوص السبب:

يُجهِد العالمانيون أنفسهم بحثًا وتنقيبًا عن عالم يكون قد قال: "إن العبرة بخصوص السبب!"، وإذا وجدوا نقلاً في هذا المعنى هنا أو هناك؛ هللوا له! وينبغي أن يعلموا أنه لم يقل أحد مِن المسلمين قط -غيرهم- بتاريخية النصوص الشرعية، وأن غاية مَن يدعي أن العبرة بخصوص السبب أنه لا يَعتبِر الآية نصًّا إلا في السبب الذي نَزلت لأجله، ثم يُعدِّي الحكم إلى نظائره بنفي الفارق أو بالقياس، ويظل هذا دليلاً إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؛ ومع هذا فمذهب "جماهير أهل العلم سلفًا وخلفًا" أن دلالة النصوص العامة على أفراد جنسها بعمومها اللفظي.

- لا يكفي الإقرار بعدم الاقتراب مِن النصوص ليكون تجديدًا منضبطًا:

يرى البعض أنه يكفي -ضمانًا لعدم التلاعب- أن يُمتنع مِن الاقتراب من النصوص "الكتاب والسنة"، وهذا غير كافٍ؛ لأن بعض مَن يدْعون لذلك يريد الانقلاب على الفقه الإسلامي ككل؛ مما يقطع الصلة بين الأمة وبيْن النص، فالنص إنما بقي محفوظًا بما تلقته الأمة بالقبول مِن تفسيره مع وجود مساحة مقبولة مِن الخلاف في تفسيره.

- الشريعة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان:

الالتزام بتطبيق النصوص على حوادث جديدة متاح مِن خلال قواعدَ، أبرزها القاعدة التي تقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، ومِن خلال أداة القياس، وكذلك مِن خلال معرفة العلل والمقاصد؛ مما يجعل "الفقه الإسلامي" مسايرًا لكل العصور، وغير منعزل عن أي منها.

الشريعة تتضمن قواعد التعامل مع الانحراف الذي عمَّ وانتشر، وذلك عبر الآليات الآتية:

أ‌- النصوص الآمرة بالرفق واللين والوسطية.

ب‌- الأدلة الدالة على اعتبار المصالح والمفاسد.

ج- الأدلة الداعية إلى الفرق بيْن حال الاختيار وحال الضرورة.

د- وبصفة أعم النصوص التي تبيِّن الفرق بين الحكم والفتوى.

هـ- مراعاة أن الرخص في حالة انتشار المشكلة في دولة أو مجتمع تَجُوز في أحوال أقل مِن الضرورة.

- ومِن ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها-: ( لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ) (متفق عليه) .

فقه البدائل ودوره في التصدي لشيوع المعاني الفاسدة لتجديد الخطاب الديني:

مما سبق نعلم أنه ليس كل مَن ينادي بتجديد الخطاب الديني يريد المعنى الفاسد، ودورنا كدعاة أن نرشِدَ مَن نطق بكلام مجْمَل إلى أن يصرِّح بمعناه الحسن؛ لا سيما إن كان متبوعًا؛ لرياسةٍ أو علْم، ونكون بهذا قد نصحنا له ولمن وراءه، وأما محاولة تثبيت التهم على الناس؛ فسياسة "ميكيافلية" لا تناسِب الدعاة إلى الله بحال مِن الأحوال، بل والأخطر مِن هذا: أن بعض مَن يقبل بالدعوة إلى تجديد الخطاب الديني دون ضوابط يتصور أنه لا يمكن مقاومة الأفكار الخاطئة "لا سيما تلك التي لحِقتْ بمفهوم الجهاد"؛ إلا بالقبول بدعوة متحررة إلى تجديد الخطاب الديني!

ولو أننا أحسننا العَرْض أن في الدين ذاته وسائل ضبط هذه الأفكار المنحرفة لما عُرِّج على هذه القضية مِن الأساس، وقد علـَّمنا الشرع أننا متى وجدنا مخالفة أنكرناها، ولكن هذا لا يكفي، بل ينبغي أن نبحثَ عن الدافع الذي قاد الناس إلى التفكير أو القبول بهذه المخالفة، فإن وجدنا مسلكًا شرعيًّا يحقق ذات الغرض أو قريبًا منه "وجبَ علينا بيانه"؛ ليكون أعون للناس على التزام الشرع، ومِن أمثلة ذلك: تحريم بيع الثمر قبل بدو صلاحه مع تشريع بيع السَّلَم بديلاً له يحقق ذات أهدافه ويخلو مِن مفاسده.

ومِن هذا المنطلق نقول لهؤلاء:

الصفحة السابقة الصفحة التالية