شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

النقد البنـَّاء... وجلد الذات... وقراءة الواقع

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال -تعالى- لأعلى البشر قدرًا وعقلاً وخـُلـُقًا، وحسن إدراكٍ "محمد -صلى الله عليه وسلم-": ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (الأعراف:188) .

فكل إنسان بصفته إنسانًا لا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا "ولو كان حتى رسول الله -صلى الله وعليه وسلم-" إلا ما شاء الله -سبحانه- له؛ فلا بد إذن بمقتضى البشرية أن يُجعل له في حياته خلاف ما حسب وتوقع، وإن كان أهل الإيمان يجعل الله لهم مِن وراء ما يكرهون خيرًا كثيرًا، ورغم أنه يتخطى حساباتهم، ويصيبهم ما لم يحتسبوا؛ إلا أن الله قد جعل أمرهم عجبًا، وجعله كله خيرًا لهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) .

ومراجعة الحسابات أمر ضروري للإنسان؛ لكي ينظر فيما أخطأ فيه أو قصَّر؛ ولكي يتقدَّم إلى المستقبل بطريقة أفضل؛ ولكي يتعامل في أموره كلها بسلوك أرقى مما كان عليه عقلاً وتفكرًا، وسلوكًا قلبيًّا، وخُلـُقـًا في معاملة الناس، وحركة في مجتمعه وواقعه؛ لا لكي يعيش في دائرة الحزن المحيط الذي يدفعه إلى ترك العمل والاستسلام للواقع المؤلم؛ فـَيَهِن، ويضعف، ويستكين للباطل الذي يراه في العالم ( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:139) ، وقال -تعالى-: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ) (آل عمران:146) ، وهذا التوازن عند المصائب والخسائر الظاهرة، كان سلوك النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم تمنعه عصمته -صلي الله عليه وسلم- أن يقول في أمورٍ اجتهد فيها: "لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرت، ما فعلتُ كذا، أو لفعلتُ كذا"، مراتٍ عديدة.

فلا بد مِن مراجعة أخطاء الماضي؛ لنصلح المستقبل، لا لمجرد جَلْد الذات فندخل الدائرة المفرغة مِن الحزن والغم والهم الذي لا فائدة منه، بل هو الضرر المحض؛ ولذا كانت الاستعاذة منه في الأحاديث الصحيحة كثيرة: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ) (متفق عليه) .

وأسوأ مِن جلد الذات جلد الآخرين، وتعليق الفشل عليهم؛ وأن تقصيرهم هو السبب مع أن القائل ربما كان المقصِّر الحقيقي، والمتفرج الناقد في مقاعد الجمهور لا يشارك في شيء، ولا يؤدي دوره لا علمًا ولا عملاً ولا دعوة، ولا تواصلاً مع الناس، ولا مشاركةً سياسيةً، ولا اجتماعية ولا مالية، ولا شيء؛ إلا أنه يحسن نقد الآخرين، ويزعم أنه يريد الإصلاح! وهذا كله مِن الخلل الذي لا بد أن ننقذ أنفسنا منه؛ لكي لا نكون كالذين قالوا: ( لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلوا ) (آل عمران:168) ، مع أن ذنبهم ومعصيتهم كانت مِن أكبر أسباب الهزيمة.

ونقطة أخرى في هذا المقام، وهي: أن تقييم التجربة لا ينبغي أن يُبنى على معطيات ما بعد النتائج؛ فنحن لا نعلم الغيب، والواجب تقييم الأخطاء والتقصير بناءً على المعطيات وقت اتّخاذ القرار، مثل: المبالغة في تقدير الواقع قوة وضعفًا، وتخطيطًا وترتيبًا، ومعرفة بالقوى المؤثرة، والحجم الحقيقي لنا وسطها، والعوامل المحيطة التي تؤثر على كل متخذي القرار داخل مؤسستنا، وداخل الدولة، وفي المنطقة، بل وفي العالم، ومثل: النظر في البدائل التي كانت مطروحة وقت اتّخاذ القرار وليس بعد حصول النتائج! وربما كان وجه الحياة قد تغيَّر بالكلية لو لم تكن المواقف الأولى قد اتّخذت، ومثل: طريقة اتّخاذ القرار، هل كانت بالشورى أم بالاستبداد؟ وهل روعي فيها وجه الله ونصرة الدين أم إرادة الدنيا وهوى النفوس؟ قال -تعالى-: ( مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَة ) (آل عمران:152) ، ومثل: درجة الصلة بالله، والحال القلبي عند اتخاذ القرار، وعن العمل فيه، وهل شغلنا عن الذكر والعبادة شاغل كان يلزم ألا يشغلنا؟!

ولنتأمل قوله -تعالى-: ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) (المزمل:20) ، فهل فعلنا أم قصَّرنا بالكلية، ولم يقع التوازن في أوقاتنا وأعمالنا؛ فقلـَّتِ البركة، وأوتينا مِن قِبَل أنفسنا؟ ( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران:165) .

ولنضرب أمثلة في هذا الباب لأمورٍ طرحها الإخوة في تعليقهم على ما حدث في الآونة الأخيرة بمراجعة مواقف سابقة، مثل: الموقف مِن الدولة، والموقف مِن النظام، والموقف مِن الفصائل المخالفة في الصف الإسلامي؛ فالبعض طرح في مراجعته الخطأ في كل ذلك، وجعل ينتقِد النقد "الهدام" لا "البَنـَّاء".

وغاب عن هذا البعض الأمور التي ذكرنا، وأنا أقول: لو استقبلنا مِن أمرنا ما استدبرنا لاتخذنا نفس الموقف مِن الدولة، ولو بالمعطيات المعاصرة؛ فلم يكن مِن الممكن أبدًا أن نتخذ موقف الصدام الذي أراده البعض واستمر فيه، وكان حريصًا أن يموت غيره بدلاً منه لا معه، مِن أجل أن يصل إلى ما يريد؛ مستغلاً آلام المظلومين، ودماء الضحايا التي لا بد أن تُسفك في الصراع الصفري الذي قرره!

الصفحة التالية