النقد البنـَّاء... وجلد الذات... وقراءة الواقع
الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة
ثم لم يكن محتملاً أن نتخذ موقفًا يسعى إلى هدم الدولة، كما تصوره مَن تصوره، وخُدع في موقف الغرب الساعي في الهدم، ولكن بأيدينا، وظن أنه يأتي منهم الخير للحركة الإسلامية "أو على الأصح حركتهم التي يسمونها إسلامية!"، بل له حركة إسلامية غيرها في معتقدهم، فقد كان البديل هو تضاعف الظلم والدم أكثر مِن ألف ضعف مقارنة بما حدث "مع إنكارنا لسفك الدماء وظلم الناس" قبْل أن يقع، وبعد أن وقع، وإلى اليوم، سمعه مَن سمعه وسدَّ أذنيه عن السماع، وأغشى عينيه عن الرؤية مَن سدَّ وأغشى.
أما الموقف مِن النظام: فلا أنكر أنه قد وقعتْ مبالغات مِن البعض، وفي مواقف حساسة، ومِن أفرادٍ لهم وضع لا يمكن التهوين منه ونسبته إلى أنه أخطاء فردية؛ لأنه لم يتم علاجها بما ينبغي، وأنا أرى أنه لو استقبلنا مِن أمرنا ما استدبرنا لاجتهدنا أكثر في منع مبالغاتٍ وقعت، أو عالجناها بعد وقوعها قبْل أن يُصبغ الاتجاه كله بصبغتها.
وإن كانت الحقيقة أن جميع ما كان مِن ذلك لم يكن قرارًا مؤسسيًّا، بل بعضه كان مخالفاتٍ فردية أخذتْ صورة المجموع، وإن كان البعض يريد منا أن نكون كالمعارضة في النظام الديمقراطي؛ لا تجد قضية اتخذها النظام إلا وأخذنا موقف الضد منها سواء أعلمنا معطيات القرار أو لم نعلم! سواء أدرسنا البدائل أو لم ندرس! فهذه طبيعة المعارضة!
ونحن لسنا كذلك، ولن نكون -إن شاء الله-، كما لم نكن أبواقـًا للنظام في كل ما يفعله، ولسنا -ولن نكون- مرددين لعبارات التعظيم والإطراء حتى فيما لا نعلمه، ومَن يراجع مواقفنا في الأحداث الجسام يجد ذلك جليًّا "ولعله مِن أسباب واقعنا الذي نحن فيه"، فطريقتنا دائمًا الإعانة على الخير، والنقد البناء -لا الهدام- لما نراه خلاف الحق والصواب، سواء كنا في تحالفٍ مع السُّلطة أو في اختلافٍ معها.
أما الفصائل الإسلامية الأخرى: فالبعض يحمِّلنا مسئولية التردي الذي وصلتْ إليه العلاقات بيْن فصائل الحركة الإسلامية الذي لا يكاد يَرى البعض أملاً في معالجته، ولسنا كذلك -بحمد الله-، ولكننا نطلب مِن هؤلاء مراجعة ما حدث مِن جميع الأطراف مِن بداية الخلاف في أول العمل السياسي مِن انتخابات "2011م" وما حدث مِن تشويه بلا سببٍ منا، ثم الاختلاف تحت قبة البرلمان، ثم الاختلاف أثناء انتخابات الرئاسة الأولى، ثم ما حدث بعدها مِن نقض العهود، ومخالفة للأخلاق الإسلامية والمبادئ، بل والعقائد الإسلامية، ثم تبيَّن لنا بعد ذلك أنها كانت لإرضاء أطراف خارجية لا ترضى بوجودنا في المشهد -وأظن أنهم كذلك إلى الآن-!
ثم مواقف غير سديدةٍ في "لجنة المائة"، ثم في إدارة الحكم والملفات المختلفة، والموقف مِن المخالفين، ثم الإعلام المدمِّر، ثم الأحداث الكبرى في الفتنة التي وقعتْ واختيار الصدام الصفري، والإصرار على الاتهام بالخيانة والعمالة للمخالِف، ثم التكفير والحكم بالنفاق إلى يومنا هذا!
كل هذا وردُّ فعلنا فيه مجرد الدفاع، ورد البدع والمخالفات وتوضيحها، ودعم بقاء الدولة والمجتمع، والذي لا بد فيه مِن نقدٍ للموقف المضاد لذلك، وإن توافق مع اتجاهاتٍ ليبراليةٍ أو قوميةٍ أو غيرها، لكن لم يكن لنا أن نخالِف لمجرد المخالفة والمعارضة -لأنهم في تصنيف الكثيرين "ليسوا إسلاميين"-، فنحن كما ذكرنا نرفض المعارضة لأجل المعارضة، والتصفيق لأجل التصفيق والموافقة، بل كل موقف وحدث حسب معطياته.
ونحن نقول: إن تغيير العلاقات لا بد أن يُبنى على تغيير في المنهج والمواقف، فلا بد مِن تغيير منهج التكفير والتنفيق مع المخالفين في مواقف سياسية، وهذه مسألة منهجية عقدية، وسلوكية خُلُقية، ثم لا بد مِن تغيير خيار "الصدام الصفري" -بل وغير الصفري-، لنقبل اعتبار المخالف ضمن الصف الإسلامي القابل للتعاون، فكنا في الماضي -وما زلنا في الحاضر- نعد جماعات التكفير المعادية للمجتمع بجميع درجاتها ليستْ ضمن الصف الإسلامي القابل للتعاون أو حتى التغاضي عما عنده مِن الانحراف، وتاريخنا يشهد بذلك.
ونحن ومَن خالفنا -أيضًا- نتخذ نفس الموقف مِن "داعش" و"أنصار بيت المقدس" ونحوها مِن الجماعات؛ فليعودوا فسوف نعود، وليغيروا فسوف نغيِّر، فلا تغرنـَّكم أيها السلفيون دعوات إصلاح للعلاقات لا تُبنى على ذلك بالعواطف القوية أو الشعارات الرنانة التي لا تجدون لها تطبيقًا في الأرض.
والله المستعان.