شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فوائد من حديث: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن الفتن والبلايا التي ابتلينا بها في هذه الأزمان "كثرة المجترئين على الحُرُمات"، وهذا مصداق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- قبْل حدوثه، وإن كان الواجب على مَن اُبتلي بمعاصِرة هذا البلاء أن يُنكِره، وأن يبذل جهده في رده؛ عسى الله أن يزيح هذا البلاء عن أهل زمانه، أو -على الأقل- يَلقى الله وقد أدَّى ما عليه.

ومِن الأحاديث التي أخبرت عن هذه الفتن؛ الحديث الذي رواه الإمام البخاري وغيره، والذي يحكي عن ظهور استحلال المحرمات، قال الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه: "بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الكِلاَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي: سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ).

ونقف في هذا المقال مع هذا الحديث عِدَّة وقفات:

الأولى: لمن نرجع في تصحيح وتضعيف الأحاديث؟

تعرضنا أكثر مِن مَرَّة لمسألة معيار قبول الأخبار أو ردها، وأن الأصل فيه قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات:6) ، وأن علماء الحديث قد فرَّعوا على تلك القاعدة الكلية كل قواعد علم مصطلح الحديث، ووضعوا الشروط التي متى توافرتْ وثقنا بنسبة الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومِن ثَمَّ بقي أن نقول: "سمعنا وأطعنا"، ومتى لم تتوافر؛ لَم نثق في نسبة الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومِن ثَمَّ فيكون هو والعدم سواء.

وهذه القواعد ميسورة يسهل تعلمها، ولكن تطبيقها يحتاج إلى تبحر في معرفة الحديث والرجال وطبقاتهم وأحوالهم؛ مما جعل علماء الشريعة مِن غير المشتغلين بالحديث -فضلاً عن العوام- يرجعون في التصحيح إلى علماء الحديث؛ امتثالاً لأمر الله -تعالى-: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) ، إلا أن تشغيب المشغـِّبين يجعل البعض قلقًا، ويحتاج إلى ما يطمئن به صدره أنه ممتثل لسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

الثانية: الحديث المعلـَّق ومعلقات "البخاري":

عرَّف علماء الحديث "الحديث الصحيح" بأنه: "الحديث الذي اتصل إسناده برواية العدل الضابط عن مثله مِن غير شذوذ ولا علة".

واشتراط العدالة والضبط في كل راوٍ هو تطبيق شامل لقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ).

واشتراط اتصال السند جاء مِن كل واحد مِن رجال السند يخبر عمَّن فوقه، فإذا قال "البخاري": "حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"؛ فالبداية بالبخاري وهو عدل ضابط، فحينئذٍ نصدِّق أن مالكًا قد أخبره، ثم ننظر في مالك وهو عدل ضابط فنصدق أن نافعًا أخبره، ثم ننظر في نافع وهو عدل ضابط فنصدق أن ابن عمر أخبره وهو صحابي يخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فنصحح نسبة هذا الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وأما إذا كان أحد هؤلاء الرجال ليس بالثقة فيسقط كل الخبر؛ لاحتمال الكذب أو الوهم مِن عنده، وكذلك إذا تُصور أنه قد حدث سقط في السند فيبقى هذا الشخص الساقط مجهولاً لنا، ومِن ثَمَّ لا يوثق بخبره؛ لأن الشرع إنما تعبدنا بالأخبار التي استوثقنا منها.

ومِن صور انقطاع السند: "ما يسميه علماء الحديث بالمعلـَّق"، وهو: "ما حُذف مِن مبدأ إسناده راوٍ أو أكثر"؛ أي أن المصنف "البخاري في مثالنا" يسقط شيخه فلا يسميه، ويبدأ الإسناد من شيخ شيخه، وربما أسقط أكثر مِن واحد، وإذا جاء غير البخاري مِن علماء الحديث ليحكم على هذا الحديث فسيرى أنه فاقد لشرط من شروط الصحة، ألا وهو اتصال السند.

ولكن ما هو حكم البخاري على معلقاته؟

قد وَجد العلماء أن "كل معلقات البخاري" التي علـَّقها بصيغة الجزم "قال أو نحوها" وليس بصيغة التمريض "روي وما شابهها" هي صحيحة عنده، كما أن لها سندًا متصلاً عند غيره إلى مَن علقها عنه، وقد وَصَلها "ابن حجر" -رحمه الله- في تغليق التعليق.

الثالثة: حكم هذا الحديث:

يمكننا أن نقول أن صنيع البخاري في هذا الحديث أنه صحيح عنده، وصححه ابن حجر وغيره مِن علماء الحديث بناءً على الروايات المتصلة المستوفاة لشروط التصحيح.

وخالف في ذلك "ابن حزم" -رحمه الله- فلم يقبل أن يقلـِّد "البخاري" دون أن يطلع على السند كاملاً، ولم يطلع على الأسانيد المتصلة عند "أبي داود" -وغيره- لذات الحديث؛ فحكم بضعفه، ولكنه قال: "إن صح هذا عن رسول الله أخذنا به".

الرابعة: اتباع زلات العلماء في التصحيح وفي فقه الحديث:

وقع "ابن حزم" -رحمه الله- في عدة أخطاء في موقفه مِن المعازف:

أولاً: رفضه تقليد البخاري في تصحيح الحديث دون أن يطلع على السند كاملاً مع أنه أهل لأن يقلـَّد.

ثانيًا: أنه فاته السند المتصل الذي ينتج عنه الحكم على الحديث بالصحة.

ثالثًا: إغفاله أن هناك أحاديث أخرى في حرمة المعازف.

ومِن ثَمَّ قال "ابن حزم" -رحمه الله- بحل المعازف، ووجد هذا الأمر هوى عند البعض؛ فتابعوا "ابن حزم" على رأيه في المعازف رغم شذوذاته المعروفة!

الخامسة: الحديث مِن دلائل النبوة، ومِن دلائل دقة قواعد علماء الحديث:

الصفحة التالية