فوائد من حديث: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • من نور الوحيين
فلو أنك تخيَّلتَ أنك كنتَ في العصور المتقدمة التي دُونت فيها كتب السُّنة -فضلاً عن عصور السلف- التي تداول فيها هذا الحديث، فهل كان بإمكانك أن تتصور أنه سيأتي على الناس زمان يستحلون فيه الزنا "حتى على تفسير الاستحلال بأنه الاستخفاف في إتيانه"، ومع هذا فإن علماء الحديث "لأنهم يتبعون قاعدة التثبُّت في الرواية وليس الهوى أو الذوق! أو غيرها مِن الأمور" أثبتوا الخبر رغم غرابته آنذاك "وفرق شاسع بيْن المستغرب والمستحيل؛ فإن الأول يأتي الشرع به في الأخبار والأحكام، والثاني لا يأتي به الشرع قط".
ومِن ثَمَّ صار هذا الحديث عَلَمًا مِن أعلام النبوة، ولما رأينا مِن تأويله جزءًا بعد آخر.
السادسة: المعنى الإجمالي للحديث:
يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيكون مِن الأمة مَن يستحل الحِرَ "أي الفرج المحرم"، والحرير، والخمر، والمعازف.
ثم يخبر عن أقوام من الأمة ممن يفعل هذا يكونون بجوار علم -أي جبَل- فيعاقبهم الله بوضع الجبل عليهم، وبمسخ بعضهم قردة وخنازير، ويسوق إليهم شاهدًا مِن غيرهم يأتيهم بسارحة غنم أو نحوها يسألهم حاجة فيطلبون منه أن يأتيهم مِن الغد فلا يأتي الغد إلا وقد نزلت بهم العقوبة.
السابعة: معنى الاستحلال المذكور في الحديث ودلالته:
قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ( يَسْتَحِلُّونَ ) يدل على أن كل واحدٍ مِن هذه الأمور المذكورة في الحديث محرم، وإلا لما جاء ذم مستحلها، والتحريم هنا راجع إلى كل واحد على حدة.
ومَن يدعي أن التحريم راجع إلى المجموع؛ فعليه أن يقف مع المعنى ويسأل نفسه: هل يسوغ أن يعطف على هذه المحرمات "الماء، واللبن!" وغيرهما من المباحات؟!
نعم قد يُقال إن العقوبة المغلظة المذكورة في آخر الحديث تقع على مَن وقع في مجموع هذه الأفعال.
والاستحلال المذكور هنا إما أن يُراد به إتيانها وكأنها مباحة -وهذا لا يُخرِج فاعلها مِن ملة الإسلام-، وإما أن يُقصَد به أن يسميها حلالاً، وهذا في الأمور المجمع عليها -كحرمة الزنا- خروج عن ملة الإسلام -والعياذ بالله-.
الثامنة: مدرسة المواءمة مع الحضارة الغربية تفتح ثغرة في حصون الحلال والحرام:
بعد أن رأينا بأعيننا وسمِعنا بآذاننا استحلال هذه المحرمات بخروج مَن يدعو إلى إباحة الزنا! جدير بنا أن نقف وقفة مع هذا الأمر، ونرى كيف استساغ البعض أن يصل بنا إلى تلك الوهدة التي ما كان يتخيلها أحد، ولكنه استدراج الشيطان!
فقد كانت البداية عند هؤلاء بشيء مِن هذه المحرمات لا يَرقى دليله أن يكون دليلاً قطعيًّا "وهو المتعلق بأمر المعازف"، ولكنه في النهاية دليل، وخطاب مِن الشرع ينبغي أن يُعظـَّم، ولكن قد نشأتْ عندنا طائفة مِن المنتسبين إلى العلم كانت آفتهم أنه حدثَ لديهم قدر مِن الانهزام النفسي أمام الغرب الذي جاءنا بأسلحة متطورة في بداية الاحتلال العسكري لبلاد المسلمين، لم يواكبه تطور عسكري في بلاد المسلمين، ثم كان التطور التقني عند الغرب؛ فجاءوا بزخرف مِن الدنيا كنا نحن الجديرين أن نصل إليه، ولكن هذا ما كان، وقدَّر الله وما شاء فعل.
وقد انتبه بعض المسلمين إلى ذلك، وأن هذه الأمور داخلة في قوله -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ) (الأنفال:60) ، فتعلموا أو حاولوا أن يتعلموا ويعلِّموا الأمة تلك العلوم، لكن الغرب جاء بشيء آخر مع هذه العلوم وهو ثقافته ونظمه الاجتماعية، ولهوه وعبثه الذي هو ديدنه عبْر التاريخ، وأقنع هؤلاء بأن هذه حزمة واحدة؛ فإما أن تؤخذ جميعها أو تترك كلها، فقالوا: بل نأخذها جميعًا!
والأمر ليس كذلك، وليس حزمة واحدة، بل كان يسعنا أن نأخذ مِن الغرب وأهله ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وأن نترك زبالة أفكارهم ورذالة أخلاقهم، ثم إنهم أخذوا مِن الغرب أخلاقه الرذيلة ولم يأخذوا حتى ذلك التقدم الدنيوي!
بل قد خرج بعض أهل العلم -للأسف الشديد- ليقول: "ما وجدنا مِن مسألة يحبها الغرب، وليس فيها دليل قطعي؛ فلا بأس أن نقرّ بها لهم، ونحن يجب علينا أن ننصف الجميع!"، وكثير مِن هؤلاء كان له جهده في الدعوة إلى الله، ولكن كانت هذه الثغرة التي آلت بنا إلى ما نشاهده ونسمعه الآن؛ حتى قال بعضهم: "إذا ذهبتَ إلى كوريا؛ فإياك أن تخبرهم أن الشرع يحرِّم الكلاب -أعزكم الله-!"، متناسيًا أن مِن محاسن الشرع الإسلامي ما جاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن "النهي عن كل ذي نابٍ مِن السباع، وكل ذي مخلبٍ مِن الطير"، وقد أثبت العلم الحديث أن تغذي الإنسان على آكلات اللحوم هو أحد مصادر الأمراض، وفيه خطر على صحة الإنسان، بل على أخلاقه!
فهذا البعض يرى أن الأمر طالما جاء في السُّنة وليس في القرآن -وهذا موضوع طويل تحدثنا عنه مرارًا- فإياك أن تخبرهم به؛ تقربًا إليهم!
ولو ذهبتَ إليهم أو سألوك عن الشرع -ولا يملك أحدٌ إلا أن يخبر عن الشرع كما هو- فلا تخبرهم عن الشرع أو السنة، بل اكتمها عنهم أو بدلها وقلْ لهم: "ليس عندنا دليل قاطع على تحريمها! فإن أردتم أن تُسْلِموا -على حد ظنه- وتستمروا على أكلها؛ فما عليكم مِن حرج!".
وبهذا المسلك العجيب مُرِّرت حزمة مِن الأمور، وبالطبع على رأسها: "الغناء والموسيقى".
التاسعة: بداية الجرأة على هذه المحرمات كانت باستحلال المعازف تتبعًا لزلات العلماء: