فوائد من حديث: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • من نور الوحيين
بل هذا بلا شك غير مؤثر بحال، والعلم الحديث بكيفية تكوُّن الخمر في عصائر الفاكهة أو غيرها يقطع بنفي الفارق؛ لأنه هو ذات الأثر بعينه في الحالين، وذات المادة المسكرة واحدة سواء في خمر العنب أو الذرة أو غيره "وهي الكحول الإيثيلي"، والذي يفعله الناس هو أنهم يهيئون الأسباب التي يتحول معها ذلك العصير السكري إلى كحول؛ فإذن هذا هو ذاك شرعًا وعقلاً.
ومع ذلك يخرج على الناس مَن يعلم كل هذا، ويقول: مَن أراد أن يتبع أبي حنيفة في هذه المسألة؛ فله ذلك!
ونحن نقول له: أين اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟!
نعم، إن الأئمة يدلوننا على سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن إن أخطأها أحدهم أخذنا نحن بالسُّنة، وهم مَن علمنا ذلك وقالوه لنا؛ أننا إذا علِمنا أن أحدهم أخطأ في إصابة السنة في مسألة ما فاللازم لنا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (النساء:59) ، ( وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ): يدخل فيها الأمراء والعلماء.
ثم كيف يُفتى الناس أن هناك شرابًا ما مسكرًا لكَ أن تشرب منه القدر غير المسكر فقط؛ وإلا صرتَ مرتكبًا لكبيرة مِن أكبر الكبائر؟! ففي أي عقل يصح هذا؟! فمن شرب قدْرًا مِن شراب مسكر؛ فلعل هذا القدر قد تلاعب بعقله فعلاً؛ فكيف يُقال له مع هذا: خذ ما يضعف عقلك ثم قس بعقلك واضبط أمرك بعد ذلك ولا تزد حتى لا تشرب قدرًا يؤدي إلى غياب عقلك؟! والنتيجة هي العجز عن ضبط ذلك، لكن هناك بالفعل مَن قال ذلك وحدث به وأشاعه ونشره! وهؤلاء كلهم جند في معسكر واحد، علِم مَن علم وجهل مَن جهل.
الحادية عشرة: "ووقع استحلال الزنا":
إن الأمة متفقة عبْر عصورها على حرمة الزنا، وعلى أنه كبيرة من أكبر الكبائر، ولكن الزنا في نظر الغرب قاصر على الخيانة الزوجية، ولا يرون سوى ذلك مِن صور الزنا جريمة!
فالزنا عندهم ينقسم إلى مباح وممنوع:
الممنوع عندهم هو زنا أحد الزوجين بدون إذن الآخر، وأما في الإسلام؛ فلا تُستباح الفروج إلا بالزواج، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ) (رواه مسلم) .
فالفرج لا يستحل في دين الله إلا بالنكاح كما هو إجماع الأمة؛ علماؤها وعوامها، بل فساقها وعصاتها، وما وجدنا عاصيًا عبر التاريخ وقع في زنا وقال إنه بريء، ولا امرأة زانية تقول إنها بريئة، وإنما كل مَن وقع في هذه الجريمة يعترف على نفسه بالجرم، ولكن جاء الوقت الذي يمكن أن يصل فيه البعض إلى استحلال المعلوم مِن الدين بالضرورة، وإلى وصف هذه الفاحشة بأنها حلال.
الثانية عشرة: الطعن في السنة أقصر طريق للزندقة والانحلال:
يبقى أن نشير إلى توقيت هذه الطعنات الخبيثة "مِن مليونية خلع الحجاب إلى الدعوة لاستباحة الزنا وعلاقتها بالهجمة الشرسة على السنة"؛ فلعلهم ظنوا -كما ذكرنا مرارًا- أن طعن البعض منهم في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُبقي القرآن بلا شرح!
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي طريقته، فإن طريقته هي القرآن وما أوتيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- معه "السنة"، ونحن لدينا شروح للقرآن؛ أولها: سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يليها فتاوى صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يليها: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) .
ثم يأتي مَن يريد أن ينسف ذلك كله، فإذا قلنا له: القرآن يقول: ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا ) (الإسراء:32) ، قال: الزنا مِن المتزوجين فقط، فإذا قلنا: هذا خلاف إجماع الصحابة، قال: ومَن الصحابة؟! فإذا قلنا: هذا خلاف إجماع أهل العلم! فالجواب عنده هو سب أهل العلم!
وعند الاستدلال عليه بالحديث، يزعم أنه لا يوجد ثقة في كتب الحديث!
فهذه إذن حرب متكاملة؛ فما كان مستغربًا حدوثه مِن قبْل وما كان غير متصور أن يوجد في الأمة في يوم مِن الأيام مَن يستحل المعلوم مِن الدين بالضرورة - صار الآن واقعًا وحاصلاً!
الثالثة عشرة: عقوبة الخسف والمسخ:
لعل الجزء الذي لم ندركه ما ذكر في آخر الحديث مِن المسخ والخسف، وهي عقوبة تنزل في آخر الزمان لأنواع مِن المجاهرين بالمعاصي -لا سيما إذا اجتمعت-، ولئن كنا قد ابتلينا بإدراك مَن يدعون إلى استحلال هذه المنكرات؛ فنسأل الله أن يكون في زماننا أقوام ينكرون المنكر؛ لأنه متى وجد المنكر ووجد معه الإنكار فيمتنع العذاب العام -بإذن الله- كما قالت زينب بنت جحش -رضي الله عنها- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟! قَالَ: ( نَعَمْ إِذا كثُرَ الخَبَثُ ) (متفق عليه) ؛ ليس مجرد وجوده، ولكن إذا كثر الخبث ربما جاء العقاب العام؛ فدورنا أن نمنع انتشار الفساد ووأده في مهده.
وليعلم كل واحد أن الجميع مخاطب بهذا؛ فينكر بنفسه ومع غيره، وينصح غيره أن ينكِر، وكل هذه الصور متاحة -بفضل الله- تنتظر مَن يشمِّر عن ساعد الجد، ويتمعَّر وجهه في الله -عز وجل-.
نسأل الله أن يقينا شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن.