فوائد من حديث: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • من نور الوحيين
إذا نظرنا إلى تلك المحرمات المذكورة في الحديث سنجد أن البداية كانت باستحلال المعازف والموسيقى، وإذا رجعنا إلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سنجد أنه أباح الغناء، ولكنه حرَّم الموسيقى -ونحن "في زمننا" لا نكاد نتصور الانفكاك بيْن هذا وتلك-، ولكنه في الواقع قد ينفك؛ بمعنى أنه يمكن أن يوجد إنشاد "بغير موسيقى" ينشده الناس في سفرهم أو أعمالهم يقطعون به السفر والعمل الشاق، فهذا أباحه الشرع كنوع مِن اللهو المباح وحرَّم الموسيقى؛ فينبغي علينا أن نقول: "سمعنا وأطعنا"، ثم إذا تأملنا فسنجد الفرق الشاسع بيْن الشعر أو الإنشاد أو الأهازيج التي يمكن أن يرددها الأطفال أو الرجال العاملون أو المسافرون يقطعون بها السفر وبين الموسيقى "فإنها خمر النفوس"، فالإنشاد وإن كان مستلذًا في الأذن، لكنه لا يتلاعب بالنفوس تلاعب الموسيقى التي يكون فيها آلات وترددات -لا تأتي بالحنجرة البشرية- تحرِّك النفس طربًا حتى إنك ترى الرجل الوقور يتراقص ويتمايل عند سماع هذه الموسيقى! إلى غير ذلك مِن المفاسد والتي سواء أدركناها أم لم ندركها، فالواجب علينا أن نقول: "سمعنا وأطعنا"؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي ذكر أن المعازف مِن جملة الأمور المحرمة، وأنه سيأتي مَن يستحلها؛ فهي إذن محرمة، وسيأتي مَن يتعامل معها على أنها حلال أو يقول بالفعل إنها حلال! وهذا قد وُجد بالفعل بالنسبة بالمعازف أن مَن الناس -بل ممن ينتسب إلى العلم- أفتى بأنها حلال! وهذه المسالة وإن كانت ليست مِن المسائل القطعية؛ إلا أنها مِن المسائل الواضحة التي لو لم تفتح من خلالها تلك الثغرة لما فتح ما وراءها.
ثم إن الشرع قد أذِن في قدرٍ محدود مِن المعازف "وهو الدف" في مناسبات: "العرس - وقدوم الغائب - والعيد"، ولكَ أن تدرك الحكمة في ذلك، وهي أن المطلوب: عدم إباحة الآلات التي تبالغ في التنغيم فتنتزع ما في النفوس وتحركها وتتلاعب بها، فإن كان ولا بد مِن آلة؛ فقد أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدف في الأعراس، وضُرب بيْن يديه بالدف عند قدومه مِن سفر -صلى الله عليه وسلم-.
فهذا هو حكم الشرع في هذه المسألة.
وإن كان واقعنا الآن أن الأمم الأخرى قد غزتنا -بالفعل- بآلاتها الموسيقية، إلا أنه مِن الخلل أن نأتي إلى الواقع الفاسد فنحاول تبريره "كما صنع بعض أهل العلم للأسف الشديد"، ولسنا ندعو أو نقول عمن وقع في هذه المعصية مِن المسلمين أنه مهدور دمه أو لا اعتبار لما يقوم به مِن صلاة وزكاة وصوم، أو لا يعامَل بمقتضى الأخوة الإيمانية؛ كل هذا قد يتوهمه البعض، ولكن مع ذلك لا بد مِن بقاء التذكير المتكرر بأنه يخالف أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذه الجزئية؛ فلعله أن يتوب أو أن يشعر بتأنيب الضمير، بدلاً مِن أن يقدح في الأحاديث ويفتح باب التأويل ويفتح باب إخضاع الشرع للواقع؛ فهذه فتنة عظيمة -وإن لم يشعر الناس بكبير خطرها- قد جرَّت علينا أنه وُجد مَن يستكمل هذا الحديث؛ حيث وقع بالفعل ما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخرج مَن يستحل المعازف وكأن الحديث لم يرد إلا عند البخاري، وأدخل الناس في نفق "معلقات البخاري وحكمها"؛ ليحدث لدى الناس في النهاية الشك في الحديث مع أن الحديث مروي بسند متصل عند غير البخاري، ومع أن إيراد البخاري له بهذه الطريقة -عند مَن يعرف طريقة الإمام البخاري- يجعله يرى صحة الحديث، ومع ذلك -كما ذكرنا- فقد رواه بسند متصل صحيح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
العاشرة: إباحة النبيذ تتبعًا لزلات العلماء وبغرض التطبيع مع أخلاق الغرب:
ثم جاءنا مَن يحاول أن يهز الثقة في حرمة الخمر!
وكانت الثغرة هنا أيضًا مِن اتباع زلات العلماء؛ فهم لما أرادوا إباحة المعازف -مثلاً- قالوا: قال بهذا ابن حزم، وفي النبيذ قالوا: أبو حنيفة -رحمه الله- قد قال بهذا.
ولما أرادوا هدم المعبد على مَن فيه خرج قائلهم ليسب الأئمة الأربعة جميعًا بدلاً من تعظيم مَن أمرنا الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بالرجوع إليهم وسؤالهم عما لا نعلمه مِن أمر ديننا، وفي نفس الوقت لا نتبع زلاتهم، وأما هؤلاء فإنهم إن وجدوا زلة عند عالمٍ أخذوها، وأما إجماع العلماء فيردونه إن أرادوا الرد، وهذا هو اتباع الهوى بعينه!
فكانت الزلة هنا في أمر الخمر عند أبي حنيفة -رحمه الله-؛ فإنه ظن أن الخمر عصير العنب -دون غيره- إذا قذفَ بالزبد، فقال: إن هذا منهيٌّ عنه شرعًا؛ فيحرم كثيره وقليله، وأما ما سوى خمر العنب مِن المسكرات الأخرى فيباح قليلها، ويحرم القدر المُسكِر منه، فلم يطبِّق عليها قاعدة تحريم القليل والكثير! وهذا لأنه غاب عن الإمام أبي حنيفة أحاديث لو وصلته -أو ثبتت لديه- لقال بها، ونحن متى ثبتت لدينا فنطبق قول الإمام أبي حنيفة -وغيره مِن الأئمة-: "إذا وجدتم قولي يخالف قول النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فخذوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- واضربوا بقولي عُرض الحائط".
وقد وجدنا أحاديث لم تصل إلى أبي حنيفة -رحمه الله- قال فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ ) (رواه مسلم) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ؛ فإن عدنا إلى العقل وجدنا أن هذا موافق تمامًا للعقل؛ إذ لا فرق بين العنب وبين غيره متى أسكر، فالعنب حلال طيب، لكنه فيه ماء ومواد سكرية وغيرها فيُعصر ويعالج بطريقة معينة ليتكون فيه الكحول المسكر، فهل يُعقل أن يُنسب إلى دين الله -تعالى- أنك إذا جئتَ إلى تمر حلال طيب -شأنه شأن العنب- تعصره أو تنقعه في الماء وتعرِّضه للأسباب التي تجعل تلك المواد تتحول إلى الكحول المسكر الذي هو هو الناتج عن عصير العنب - أن يكون ذلك مباحًا "مع وجود نفس الأثر"؛ لِكونه مِن غير عصير العنب؟!