ماذا لو كنتَ الرابع؟!
زين العابدين كامل • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن التوسل إلى الله -تعالى- مشروع، ومنه التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللهَ -تَعَالَى- بِهَا لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ. وَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ مَا بَقِيَ ) (متفق عليه) .
وهنا نطرح سؤالاً: ماذا لو كنت الرابع؟!
ماذا كنت ستذكر من الأعمال؟!
لا بد لنا مِن وقفة مع أنفسنا، ولا بد لنا أن نجتهد فى أن يكون لنا خبيئة من عمل صالح.
حتمًا أننا نحتاج إلى مثل هذا الزاد، ونحن في سفرنا إلى الآخرة الطريق وعر وبه مصاعب وغير ممهد، ويحتاج إلى زاد من نوع معين؛ هذا الزاد هو "خبيئة" من العمل الصالح، ففي هذا الحديث يظهر فضل الإخلاص لله -تعالى-، وأنه من المنجيات في أوقات الأزمات.
فلا بد مِن عمل صالح، ويحسُن أن يكون مما لم يطلع عليه بشر، عمل صالح يصلح للتوسل به في محطات الطريق إلى الله، فعن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ ) (أخرجه الخطيب في التاريخ، وصححه الألباني) . ومعنى ( خِبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ ) أي: من الأعمال الخفيّة التي لا يطلع عليها أحد من الناس، فتكون خالية من الرياء، وخالصة لله -تبارك وتعالى-، مثل صلاة النافلة في جوف الليل أو صدقة السر أو أي عمل آخر من الأعمال الصالحة.
وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ ) (رواه مسلم) ، فهل حاسبنا أنفسنا عن أعمالنا وأقوالنا ونياتنا؟ وهل أخفينا أعمالنا كما نخفي سيئاتنا؟!
هل تأملنا في أحوال سلفنا الصالح كيف كانت مع ربهم؟ كان عمل الربيع بن خثيم -رحمه الله- كله سِرَّا، فربما دُخل عليه الداخل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه! وكان أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقرأ القرآن كثيرًا، ولا يُدْرَى متى يختِم.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فَقُهَ الفقهَ الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْرُ -جمع زائر- وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم -عز وجل-".
وكان علي زين العابدين بن الحسين يكفل مائة أسرة من أهل المدينة، ولم يعلم بذلك أحد، ولا هم كانوا يدرون مِن أين كان معاشهم! فلما مات فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل، ولما غسلوه وجدوا أثر سواد على ظهره لما كان يحمل من الدقيق ليلاً لفقراء المدينة، ومع ذلك كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك مِن أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح سريرتي!".