شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ماذا لو كنتَ الرابع؟!

زين العابدين كامل • التزكية

وقال القاسم بن محمد -رحمه الله-: "كنا نسافر مع ابن المبارك، فكثيرًا ما كان يخطر ببالي، فأقول في نفسي: بأي شيء فُضِّل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟! إن كان يصلي إنا لنصلي، وإن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج! قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت، إذ طفئ السراج فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح، فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: "بهذه الخشية فُضِّلَ هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى ظلمة؛ ذكر القيامة".

وقال خادم الإمام محمد بن أسلم الطوسي: "سمعته يحلف كذا وكذا مرة أن لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت، ولكن لا أستطيع ذلك".

وكان إبراهيم التيمي -رحمه الله- يقول: "المخلص مَن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته".

وقال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عَبْرتُه فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام" (انظر صفة الصفوة، والزهد والرقائق، وتلبيس إبليس) .

"ولما حَاصَرَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حِصْنًا في بلاد الروم، وَأَصَابَهُمْ فِيهِ جَهْدٌ عَظِيمٌ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى نَقْبٍ مِنْهُ، فَمَا دَخَلَهُ أَحَدٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ فَدَخَلَهُ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَنَادَى مُنَادِي مَسْلَمَةَ: أَيْنَ صَاحِبُ النَّقْبِ؟ فَمَا جَاءَ أَحَدٌ حَتَّى نَادَى مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَجَاءَ فِي الرَّابِعَةِ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنَا أَيُّهَا الأَمِيرُ صَاحِبُ النَّقْبِ، آخُذُ عُهُودًا ثَلاثًا: لا تُسَوِّدُوا اسْمِي فِي صَحِيفَةٍ، وَلا تَأْمُرُوا لِي بِشَيْءٍ، وَلا تَشْغَلُونِي عَنْ أَمْرِي. قَالَ: فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِكَ. قَالَ: فَغَابَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يُرَ. قَالَ: فَكَانَ مَسْلَمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ فِي صَلاتِهِ: اللهُمَّ احشرني مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ".

فهذا الرجل نحن لا نعرفه، ولا نعرف اسمه ولا رسمه، ولكن الله -تعالى- يعرفه، وهذا يكفيه بلا شك، هو لا يريد منزلة في الدنيا، لكنه أراد منزلة عالية رفيعة عند خالقه -جل وعلا-، فقيمة المرء الحقيقية هي قيمته عند الله -تعالى-، فعن سالم عن رجل من أشْجَع يقال له زاهر بن حرام الأشجعي، قَالَ: وَكَانَ رَجُلاً بَدَوِيًّا لا يَأْتِي النبي -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَتَاهُ إِلا بِطُرْفَةٍ أَوْ هَدِيَّةٍ يُهْدِيَهَا، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالسُّوقِ يَبِيعُ سِلْعَةً وَلَمْ يَكُنْ أَتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ وَرَائِهِ بِكَفَّيْهِ، فَالْتَفَتَ وَأَبْصَرَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَبَّلَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مازحًا: ( مَنْ يَشْتَرِي هذا الْعَبْدَ؟ ) قَالَ: إِذَنْ تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللهِ كَاسِدًا -أي رخيص الثمن- فقَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ ) أَوْ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( بَلْ أَنْتَ عند الله غَالٍ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) .

فهكذا كان سلفنا، وهكذا يجب أن نكون، ولا بد أن نعد للسؤال جوابًا: ماذا لو كنت الرابع؟!

والله المستعان.

الصفحة السابقة