شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ضوابط "تجديد التراث" عند "شيخ الأزهر"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإذا طـُرحتْ قضية "تجديد التراث" أو ما شابهها مِن مصطلحات أمسكَ الكثير مِن المتدينين قلوبهم بأيديهم؛ ليس بسبب أنهم يرفضون مراجعة الإنتاج البشري الذي أنتجته الأمة، وإعادة صياغة ما يلزم منه وفق الثوابت الشرعية كما يتوهم -أو يحاول أن يوهِم- بعض العلمانيين؛ بل لأن بعض العلمانيين يطلقون الدعوة إلى "تجديد التراث" وغرضهم "تغيير التراث!"، أو ادعاء نسبية الدين بأصوله وفروعه؛ فلا يبقى مِن التراث إلا عبق التاريخ! كما يتأمل الإنسانُ المعاصر صورَ الفلاح وهو يُلهِب ظهرَ ثوره بالسياط ليقود الساقية، أو يتأمل القرى التي بُنيت من اللبـِن، المضاءة بالمصابيح الزيتية أو بمصابيح الكيروسين... مجرد تاريخ له عبق، ولكن ليس له واقع!

وأما الواقع؛ فليس مجرد الزراعة المميكنة، والعمارات الشاهقة، والأضواء الباهرة؛ وإلا فلا يوجد أحد يرى حرمة هذا دينيًّا "إلا أبطال الأفلام والمسلسلات التي يكتبها هؤلاء!".

وفي الآونة الأخيرة تَجدَّد الكلام على هذه القضية، ونحمد الله على وجود وضع دستوري وقرارات تنفيذية تحيل الأمر إلى "الأزهر الشريف"، وأن فضيلة الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الأزهر له "كتاب رائع" في هذه القضية، بعنوان: "التراث والتجديد" بيَّن فيه ضوابط قضية تجديد التراث بما يحافظ على الثوابت، والتعامل مع المتغيرات وفق هذه الثوابت؛ ومما يزيد الأمر أهمية أن الكتاب قد أُعيد طبعه مؤخرًا كهدية مع "مجلة الأزهر"، وقد أثنى عليه الكثير مِن علمائه؛ مما يجعله ليس مجرد اجتهادٍ شخصي.

والمطـَّلع على هذا الكتاب لفضيلة الدكتور "أحمد الطيب" سيجد أن له هدفين أساسيين:

الأول: بيان الضوابط التي تَجعل قضية "تجديد التراث" قضية مقبولة لا تصادِم الكتاب والسنة، ولا تعادي تراث الأئمة.

الثاني: الرد على مشروع مِن أكثر المشاريع العلمانية رواجًا؛ لا سيما بيْن المثقفين المصريين، وهو مشروع الدكتور "حسن حنفي" الذي أطلق عليه عنوان: "التجديد والتراث"، وقد بيَّن فضيلة الإمام أن هذا المشروع تغيير للتراث، وليس تجديدًا له!

وسوف ننقل في هذه المقالة أهم الفقرات التي تبيِّن هذه الضوابط، وتجيب على أهم الشبهات، وأول ما نبدأ به خاتمة كتاب الدكتور "أحمد الطيب"، حيث ختم بحثه بهذه الفقرة تحت عنوان: "تعقيب" التي وضعنا نحن لها عنوان: "ضوابط تجديد التراث، والفرق بينه وبين تغييره".

قال فضيلة الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الأزهر:

"تعقيب:

وإذا كنا توقفنا عند كثيرٍ مِن نصوص التراث والتجديد -يعني: مشروع التراث والتجديد لحسن حنفي- فإننا نجمل وجهة نظرنا -وهي وجهة نظر شخصية- فيما يلي:

أولاً: ثمة فرق بين التجديد والتغيير:

الأول -التجديد-: حفاظٌٌ على الأصول وإضافة إليها، ونفض لما يتراكم عليها من غبار يحجبها عن الأنظار. والثاني -التغيير-: هدم وبدءٌ جديد مِن فراغ يتم تحت أي مسمى إلا مسمى التجديد؛ اللهم إلا إذا كان القصد تغييب الوعي أو خداع الجماهير!

ثانيًا: إن التراث والتجديد ينتهي بنا في التحليل الأخير إلى المتاهات الآتية:

الأولى: اعتبار الإسلام "مُعطىً تاريخيًّا، وواقعة حضارية حدثت في التاريخ، يهمنا منه ما نشأ كحضارة، وليس مصدره: مِن أين أتى؟ تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل، وتجديد التراث ليس هو البحث عن النشأة، بل عن التطور".

الثانية: البداية العلمية للتغيير تعني البدء بالواقع، واعتباره المصدر الأول والأخير لكل فكرة.

الثالثة: تحريم عملية التغيير على الطبقة البرجوازية أو مَن ينتمي إليها، وإسناد المهمة بكاملها إلى "الطليعة" المنتسبة نفسيًّا ونضاليًّا إلى الطبقة العاملة.

ومِن حقنا أن نقرر: أن "التراث والتجديد" في هذا الإطار نظرة خاصة وشخصية إلى أبعد حد ممكن، وأنه لا يعبِّر عن آلام وآمال الجماهير، بل جاء تعبيرًا عن آمال فئة محدودة العدد جدًّا إلى الحد الذي يسقطها من حساب النسبة والتناسب.

ومن حقنا أيضًا أن نقول: إن تجديد التراث الإسلامي لا يحسنه إلا عالم ثابت القدمين في دراسة المنقول والمعقول، فاهم لطبيعة التراث المعقد، مدرك لطبيعة المناهج وأدوات التحليل الفكري المستخدَمة في البحث والتقصي، وهل تتلاءم مع طبيعة تراث يعتمد على أصول ثابتة موجهة للواقع وحاكمة عليه، أو تتنافر معه منذ الخطوة الأولى من البحث.

والذي لا شك فيه أن "التراث والتجديد" -بل أكثر مشاريع التجديد- خلا من هذه الشروط الضرورية، ونظر إلى تراثنا في أصوله الثابتة مِن منظار منهج تطوري، أُولى مسلـَّماته: أن لا ثابتَ ولا مقدَّسَ، فلا شك أن تجيء النتائج كلها مضطربة متناقضة؛ الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن أهداف مثل هذه الدراسات، وهل هي حقيقة تجديد لتراث الأمة الإسلامية، وبحث عن هويتها وتأكيد لذاتها، أم هو استئصال لما تبقى من عناصر قوتها وحيويتها؛ تأكيدًا لاستمرار التبعية، واستلاب الذات؟!

كما نسجِّل أيضًا: أن مشروع "التراث والتجديد" قد أهدر كثيرًا من دلالات النصوص اللغوية والتاريخية لحساب رؤية خاصة لم تحل الإشكال، بل زادته اضطرابًا وغموضًا.

ثالثًا: لا ننكر أننا في حاجة إلى "التجديد"، بل مشكلتنا "الأم" هي غيْبة التجديد، لكن شريطة الوضوح والفصل بين مجال الثوابت ومجال المتغيرات، والتفرقة الحاسمة بين أصول الدين وتراث أصول الدين.

ومِن المؤسف -حقـًّا- أن نقرر: أن ارتباط جماهيرنا بالتراث قاصر على مجال العبادات، بينما يختفي هذا الارتباط -أو يكاد- في مجال العلميات والاجتماعيات، وأنه لا يزال أمام دعاة المسلمين مِن أُولي الفهم والوعي الكثير مما هو مطلوب لربط المسلم بتراثه في هذا المجال.

الصفحة التالية