ضوابط "تجديد التراث" عند "شيخ الأزهر"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
رابعًا: لا أرى أن التراث هو المحرِّك لتصرفاتنا، والمسئول الأول والأخير عن أزماتنا المعاصِرة، بل أستطيع أن أنطلق من نقيض هذه الدعوى، وأزعم أننا لا نستلهم تراثنا الإسلامي في كثير مما نفعل أو نترك... وإلا فأين في أمتنا العربية -التي يعلقون تخلفها على مشجب التراث!- أين فيها هذا المجتمع الذي تنضبط قواعد حياته على أصول الحلال والحرام في التراث؟! (ش عبد المنعم: يعني الدكتور أحمد الطيب بهذا كما سيتضح مِن الأمثلة أن مشكلتنا في مخالفة هذا التراث لا في اتباعه كما يدعي العلمانيون؛ وبالطبع فإن علاجنا يكون في العودة إلى جذورنا مع إعمال قواعد الاجتهاد الشرعي في المستجدات) .
ولنضرب لذلك مثلاً موقف مجتمعاتنا الإسلامية من المرأة... إن بعض هذه المجتمعات ينظر إليها في إطار "العورة"، ويصادر في هذا الإطار كثيرًا من حقوقها التي يقررها الإسلام -والإنسانية- في وضوح لا لبس فيه؛ هل هذا الموقف مقولة تراثية إسلامية أم هو مرض مزمن ورثناه من عصر ما قبل الإسلام؟!
والبعض الآخر مِن مجتمعاتنا ينظر إليها في إطار غربي تختلط فيه الإيجابيات والسلبيات معًا؛ فهل هذه نظرة تراثية إسلامية أم هو انسحاق في تراث آخر غير تراث الإسلام؟!
إن هذا أو ذاك تقليد وافد على تراثنا من خلف ومن أمام، ولا يستطيع منصف أن يلحق أيًّا منهما بتراث الإسلام. ونحن لا ننكر أن في تراثنا أقوالاً منغلقة وفهومًا قبَليَّة قدَّمت لنا أحكامًا خالية من روح النص ومقاصده، بل ومتعارضة مع روح النص ومقاصده، ولكن -وبكل التأكيد- ليس هذا هو التوجُّه السائد أو التوجه الأغلب في هذا التراث المظلوم.
وإذن فقدر كبير جدًّا من أنماط سلوكنا لا يعكس تراثنا الإسلامي بقدر ما يعكس إما تأثيرات مزمنة من مجتمعات قبلية سابقة على ظهور الإسلام، أو تأثرات مستجلبة من بيئات غريبة، أو من خليط غير متجانس ولا متوازن بين هذين المصدرين المتضادين؛ فليس صحيحًا ما يؤكده "التراث والتجديد" من أن سبب خلط الأوراق في أذهاننا هو أننا نعمل بـ"الكندي"، ونتنفس بـ"الفارابي"، ونرى "ابن سينا" في كل الطرقات، بل المشكلة فيما أرى أننا نعيش عصرنا وإحدى قدمينا في ميدان " داحس والغبراء" والأخرى في " البيكادلي والشانزليزيه " ، وغياب التراث الحقيقي كان دائمًا مصدر الخلل، وستظل مقولاته الثابتة هي الحلقة المفقودة لاستعادة التوازن بين الماضي والحاضر" انتهى .
وبعد هذا النقل الذي يمثـِّل ملخصًا للبحث بأكمله، نتوقف عند بعض النقول الأخرى التي تعالِج بعض الجزئيات الأخرى، ومنها هذه الفقرة التي وضعنا لها عنوان: "الفرق بيْن نصوص الشرع المقدسة، وباقي عناصر التراث البشرية".
قال فضيلة الدكتور "أحمد الطيب":
"ولا تخطئ عين القارئ في هذا النص تسوية مقصودة - (ش عبد المنعم: أي عند الدكتور حسن حنفي) - بين الدين والفنون الشعبية في تكوين نفسية الجماهير، وأن "الأغاني" أو قصص " أبو زيد الهلالي" -مثلاً- تقف جنبًا إلى جنب مع الدين وراء وعي الجماهير المسلمة، وخلف سلوكياتهم وتوجهاتهم؛ فكل منهما رافد من روافد ثقافة الأمة، وكل منهما عنصر مكون لنسيج هذه الثقافة، وغاية ما هناك أن هذا فن ديني وذاك فن شعبي!
إن هذه التسوية تهدف إلى تحطيم متعمد للحواجز الفاصلة في نفوس الجماهير بيْن جانب مقدس، وجانب لا يحظى بأية صورة مِن صور التقديس، وإن حظي باهتمام الجماهير ولهوها به ليل نهار، ومن الغريب -حقـًّا- أن صاحب " التراث والتجديد" برغم أنه لا يكف عن دعوى أحقيته في الحديث عن الجماهير والدفاع عنها؛ إلا أنه يتناسى أن الجماهير التي يتحدث عنها قد صُمِّم فكرُها وشعورُها ووجدانها ومخزونها النفسي على رفض هذا الخلط، وأنها لا تعرف فنًّا دينيًّا بالمعنى الذي صوَّره لنا صاحب "التراث والتجديد"، وإنما تعرف "دينًا" له قدسيته وحرمته في القلوب، وتعي الفرق -الذي لا يعيه التراث والتجديد- بين الدين كحقائق إلهية، وبين قصص شعبي لا ندري إن كان مصدرًا واقعًا أم أساطير لا تمت إلى الواقع بأدنى صلة أو سبب.
ومِن الغريب غير المفهوم -أيضًا- أنه بالرغم من تأكيد "التراث والتجديد" على أهمية الفنون الشعبية في نفوس الأمة، وخطورتها التي تضارع خطورة الدين في وعيها وثقافتها، إلا أنه يصمت صمت القبور عن "الفنون الشعبية"، ولا يرى أنها مسئولة من قريب أو من بعيد عن الواقع المتردي لجماهير الأمة، بينما يعود بالتأثير كله إلى القسم الديني فقط من هذا التراث، ويحمله المسئولية كاملة عن كل ما أصاب أمتنا في عصرها الحديث من جهل وفقر وتخلف؛ مما يؤكد لنا أن التنظير بين الدين أو "القرآن الكريم" وبين الفنون الشعبية في هذا الموضع لم يكن من التحليل العلمي الذي يتسق فيه استنباط النتائج من مقدماتها بقدر ما كان محاولة لخلخلة "قدسية" الدين في نفوس الجماهير ليصبح مُعطى تاريخيًّا قابلاً -برمته- لإعادة التشكيل لا معطى إلهيًّا فيه الثابت الذي لا يتغير، والمتغير القابل للتجديد (ش عبد المنعم: أي أن مقصود دكتور حسن حنفي هو جعل الدين كسائر عناصر التراث البشري كلها قابلة للتغير، بينما الدين أمر إلهي وليس أمرًا بشريًّا، وفيه ثوابت لا تقبل التغيير، ومتغيرات تقبل التغيير في ضوء هذه الثوابت) .
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
وأما هذه الفقرة فيعالِج فيها الدكتور "أحمد الطيب" قاعدة: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، وهو بذلك يغلق عليهم باب محاولة قصر آيات القرآن على أسباب نزولها.