شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ضوابط "تجديد التراث" عند "شيخ الأزهر"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

فيقول: "... وأن القاعدة الأصولية التي يعلمها الأستاذ يقينًا - (ش عبد المنعم: يعني د.حسن حنفي) - التي تقرر أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" تنسف -مِن الجذور- محاولة ربط القرآن بالواقع ربط معلول بعلة؛ إذ في ضوء هذه القاعدة لا يصح الوقوف بمحتوى الآية عند حدود الحادثة التي نزلت الآية في جوِّها، بل تتخطى دلالة الآية -بما هي خطاب إلهي- حدود المكان والزمان التي أحاطت بتنزيلات الآيات القرآنية، ونحن لا نشك لحظة في أن "الأستاذ" يفقه كل ذلك، وبأدق وأعمق مما ألمحنا إليه، ولكننا نتساءل: هل من قواعد البحث العلمي المجرد أن يحمل الباحث حكمًا مناقضًا على موضوع البحث، ثم يروح يتلمس من عنوان عام أو مفهوم فضفاض "سندًا" يرتكن إليه في تعميم الحكم بأن القرآن ابن الواقع، وأثره ومعلوله؟!

إن الحقيقة البسيطة التي يعلمها الأستاذ إذا التزم بمنطق هذا التراث -أصولاً وفروعًا- هي: أن القرآن الكريم موجِّه للواقع، ومؤثر فيه، وحاكم عليه، بقطع النظر عما صاحب نزول بعض الآيات أو تقدَّم على نزولها من ظروف وملابسات، وأنه ليس شيء مِن الحوادث أو الوقائع بعلة في نزول شيء من القرآن؛ بمعنى أنه كلما افترضنا عدم حدوث السبب فلا بد مِن أن نفترض معه ضرورة انقطاع هذه الآية أو تلك، أو احتجابها عن النزول! فمثل هذا التفكير قلب لأبسط قواعد فهم القرآن رأسًا على عقب، ولا يمكن الجمع -بحال من الأحوال- بيْن القول بأن القرآن وحي من الله -تعالى-، والقول بأن القرآن جزءٌ مِن الواقع أو معلوله؛ اللهم إلا إذا كان القصد الخفي وراء هذه التناقضات هو استبعاد "القرآن الكريم" من أن يكون عنصرًا أو مقوِّمًا في مشروع النهضة والتجديد!" انتهى . (ش عبد المنعم: تحفـَّظ الدكتور "أحمد الطيب" بعدها مِن أن يكون قصد إلى تكفير الكاتب، وبيَّن أنه إنما قصد إبراز تناقضه) .

ثم نقل فضيلة الشيخ "أحمد الطيب" نُقُولاً تدل على أن الأئمة القدامى والمحدثين قد انتبهوا لخطر هذه الشبهة وقاموا بتفنيدها...

فقال: "وقد نبه علماؤنا القدامى، والمحدثون إلى خطورة هذا الاستغلال السيئ لروايات أسباب النزول في هدم الدين، ونقض بنيانه وأركانه، وأن القول باختصاص القرآن بالواقع الذي تنزل فيه، فوق أنه افتئات على الحقيقة التي يعرفها المسلمون جميعًا، فإنه لا يمكن أن يقول به عاقل.

يقول الإمام تقي الدين بن تيمية: "وقد يجيء كثيرًا قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا... فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم، ولا عاقل على الإطلاق، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه؟ فلم يقل أحد: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين -وإن كان أمرًا ونهيًا- متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص، ولمن كان بمنزلته " انتهى .

التراث ليس مسئولاً عن أخطاء الواقع:

وقرَّر فضيلة الشيخ "الطيب" عدم موضعية إلصاق أخطائنا بالتراث، فقال: "وكان المفروض على الأستاذ -لو أراد أن يتقيد بضوابط البحث العلمي في أخطر قضية تمس حياة المسلمين على الإطلاق- أن يستثني من هذا النقد أصول التراث الذي حمَّله مسئولية تخلف المسلمين، لكن شاء الأستاذ أن يطلق العنان لعبارة تقرر -صراحة أحيانًا، وضمنًا أحيانًا أخرى- أن الإيمان بالقضاء والقدر، والثنائية الفاصلة بين "الله" و"العالـَم"، والإيمان بالبعث، هي العلل الأولى والجراثيم الحقيقية للأمراض المعاصرة في المجتمع الإسلامي والجماهير المسلمة!

كما شاء الأستاذ -عامدًا أو متغافلاً- أن يزيل الحدود والحواجز في خطة التجديد بين هذه الأصول كثوابت لا تقبل المساومة، ولا التأويل، ولا الالتفاف عليها بحال مِن الأحوال، وبين رؤى شائهة وتفسيرات مغشوشة كانت بمثابة أمراض طفيلية التصقت بالتراث الإسلامي الحقيقي وحُسبتْ عليه ظلمًا وعدوانًا، وهي تفسيرات تنشأ -في العادة- مِن بُعد العهد بالمصدر الأصلي للفكر أو الفلسفة أو الدين، ولم ينجُ منها تراث في تاريخ البشرية قديمًا أو حديثًا، وهذا أمر طبيعي ومقرر في تاريخ الفكر، وتاريخ الأديان.

لكن غير الطبيعي أو غير المعقول: هو هذا الخلط بين مبادئ التراث وقيمه، وبين بعض السلوكيات المنحرفة عند البعض من أتباع هذا التراث، واعتبار التراث مسئولاً عن كل ذلك في تعميم كاسح مِن شأنه أن يثير في القارئ ريبة وشكًّا في جدية المشروع برمته، وأنه يعتمد على ما يشبه المهارة أو "خفة اليد" في لعبة الأسماء والمسميات، وكان على أستاذنا الكبير أن يصمد لمناقشة المفاهيم ويحاكمها في إطارها المعرفي والقيمي كما هي مطروحة في التراث، لا أن يخلط الأوراق في أذهاننا إلى الحد الذي يحدثنا فيه عن ممارسات خاطئة لمفاهيم صحيحة، وهو يظن أنه يحدثنا عن عيوب في المفاهيم ذاتها!" انتهى .

ويبين فضيلة الشيخ "أحمد الطيب" معددًا بعض القضايا التي ظـُلمت مِن قبيل إلصاق الممارسات الخاطئة بمفاهيم صحيحة كأن العيب في المفاهيم الصحيحة ذاتها! وأن دفاعنا في توضيح الفرق لم يجدِ مع تحامل دكتور "حسن حنفي" وغيره على التراث الإسلامي، فيقول: "ولا يفيدنا في الدفاع عن تراثنا المنقول ضد اتهامات "التراث والتجديد" أن نردد ما هو معروف ومفهوم لدى الجميع مِن التفرقة -مثلاً- بين القضاء والقدر كأصل مِن أصول الإيمان في الإسلام وبين مفهوم العجز والتواكل والكسل، أو التفرقة بين الإيمان بالبعث وبين أمراض الازدواجية في المجتمعات المسلمة، أو التفرقة بين نظام الشورى والخلافة في الإسلام وبين مداهنة بعض المفكرين للحكام ونفاقهم... وتَسقُطُ التفسيرات المصنوعة لتبرير هذا السلوك الذي يرفضه الإسلام شكلاً وموضوعًا، ولا يفيدنا أيضًا الدفاع التحليلي عن كل علم مِن علومنا التي عددها الأستاذ وهو يدين تراثنا العقلي والنقلي جملة وتفصيلاً... " انتهى .

الصفحة السابقة الصفحة التالية