شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"مصر"... وأحلام الإمبراطوريات

غريب أبو الحسن • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلكل دولة كتلتها الصلبة، وهي مؤسساتها التي يجتمع شعبها حولها "والتي تشكِّل العمود الفقري للدولة"، وهي المؤتمنة على صيانة الدولة والحفاظ عليها متماسكة، وحماية أمنها القومي من أي تهديد داخلي أو خارجي.

وهناك أمور أخرى تحافظ على تماسك الدول، منها: "وحدة الدين، واللغة، والعرق، والتاريخ"، والتي تساهم بشكل كبير في تماسك النسيج الوطني بتلك الدول.

وإذا أرادت دولة أن تستبيح دولة أخرى؛ فعليها أولاً أن تقضي على مؤسسات تلك الدولة أو أن تضعفها بدرجة كبيرة، وأيضًا عليها أن تعبث في نسيجها الاجتماعي؛ فتثير النعرات الطائفية والعرقية، وتحيي الثارات التاريخية بين مكونات تلك الدولة.

وإذا كانت دولة كمصر -مثلاً- بها قدر كبير من تماسك النسيج الوطني؛ لوحدة الدين والعرق واللغة والتاريخ؛ إلا أن هناك أخطارًا لا تقل عن تلك السابقة.

مثل: انتشار فكر التكفير، وما يتبعه من استحلال للدماء والأعراض.

وكذلك: افتعال المظلوميات، والكربلائيات، ومداعبة عواطف الشعب بها حتى ينقسم الشعب لمؤيد ومعارض، ويزداد الشقاق، وتبذر بذور الاحتراب الأهلي.

ويبرز هنا سؤال، وهو: هل هناك مَن يحاول أو يسعي لتفتيت الدولة المصرية؟

والإجابة سهلة يسيرة, فنظرة حول محيطنا العربي تكفي لتري "ليبيا، والسودان، والعراق، وسوريا، ولبنان، والصومال، واليمن" قد عبثت بهم بالفعل تلك الأيادي الآثمة والطامحة لبناء إمبراطورياتها على أشلاء عالمنا العربي عبر القضاء على مؤسسات تلك الدول، ثم إثارة النعرات والفتن، ثم تقسيم تلك الدول تمهيدًا لالتهامها قطعة بعد أخرى.

ثم دعُونا نتجاوز الحدود المحلية للأزمة المصرية الراهنة إلى الأفق الإقليمي والدولي, ولنتأمل اللاعبين الرئيسيين الجالسين على مائدة التهام عالمنا العربي؛ فسنجد أن هناك العديد من الدول والجماعات صاحبة الأطماع في مصر وفي محيطها العربي، والطامحين إلى بناء إمبراطورياتهم على أشلاء الأنظمة القائمة.

- نجد "أمريكا": صاحبة الإمبراطورية الحقيقية، والتي تقاتل مِن أجل ألا تقوم إمبراطورية أخرى ولو بعد مائة عام, والتي ترى أن بقاء إسرائيل في خاصرة الوطن العربي كفيل بأن يقضي على أي أمل في أي وحدة أو نهوض قد يعكر صفو التفرد الأمريكي.

- و"إسرائيل": التي تحلم وتصرِّح بإمبراطورية من النيل للفرات تسمح بأن يتعايش معها شعوبها، ولكن كخدم للسيد اليهودي!

- و"إيران": التي تحلم بعودة الإمبراطورية الفارسية لترد الصاع صاعين لذلك العربي الذي كسر أنفها بعد أن مرغها في التراب.

- و"تركيا": التي يداعب خيال "أردوغان" فيها عودة الدولة العثمانية ببابها العالي المهيمن على دول المنطقة، ولكن بصورة قومية مشوهة منزوع منها أهم مقوماتها، وهي منطلقاتها الإسلامية والعقدية.

- و"قطر": التي تحلم بتحويل المنطقة للوحة من الفسيفساء لا فضل لأي دولة عليها لا في المساحة ولا في عدد السكان، وتكون هي وسط هذه اللوحة طامحة أن يتذكر السيد الأمريكي دورها في تقسيم المنطقة فتنال شهادة أنها أهم قطع الفسيفساء في تلك اللوحة البائسة.

- والإخوان المسلمون الذين يحلمون بأستاذية العالم بفرض فهمهم للإسلام، والذين يرون فيه أنهم وحدهم الممثلين للإسلام في مجتمع جاهلي, فبعد أن وصلت الجماعة للحكم وتوفرت لها كل الإمكانات فشلت في أن تخرج من صندوق الجماعة الضيق إلى فضاء الوطن الرحب، بل أصرت على أن تدخِل الوطن كاملاً إلى داخل صندوقها الكئيب!

وعندما فشلت وتمرد عليها الوطن لم تعترف بأخطائها، بل وصلت إلى أن السبب في فشلها هو تلك الكتلة الصلبة داخل الدولة، وهي تسعي الآن بكل قوة لإذابتها وإزالتها من طريقها.

- وتنظيم "القاعدة": الذي يحلم ببناء إمبراطوريته الخاصة والوهمية عن طريق الصدام المسلح مع الأنظمة القائمة، ولا يدرك أنه لم تقم لدولة قائمة بعد تفكيكها.

ناهيك عن ذلك المسخ النابت في العراق وسوريا المسمي بـ"داعش"؛ التي لا يوجد لها جبهة قتالية مع النظام السوري، وإنما تقوم بتحرير المناطق المحررة، وقطف رؤوس المسلمين وسبي نسائهم, ويرد لها النظام الجميل بعدم التعرض لقواتهم وعدم قصفها.

نقاط التلاقي والافتراق بين تلك الإمبراطوريات الحالمة:

كل تلك الإمبراطوريات الحالمة تتفق على أن العقبة بينها وبين تنفيذ أحلامها هو تلك الكتلة الصلبة المتمثلة في مؤسسات الدولة أو ما بقي منها، وكذلك وحدة النسيج الوطني؛ لذلك تتفق وتتعاون كلها بصورة أو بأخرى على تفتيت تلك الكتلة الصلبة، وتمزيق ذلك النسيج الوطني.

وللأسف "رأس الحربة" في عملية التقسيم هم "جماعة الإخوان المسلمين" بتلك القيادات القطبية المتعصبة، والمدعومة إقليميًّا وغربيًّا!

وتصنع ذلك من خلال:

- استنزاف مؤسسات الدولة بشكل يومي ودائم، والرهان على أن تفشل تلك المؤسسات في الصمود مستغلين حالة الضعف الاقتصادي الحالي.

- نشر فكر التكفير بين الشباب، وهو ما تعج به أحاديث منتسبيها لتمزيق ذلك النسيج الوطني.

- استثارة العاطفة الدينية والإسلامية، ودفع السذج للصدام مع القوي الأمنية؛ لتسيل الدماء، وليُتاجَر بها بعد ذلك!

- استغلال تلك الدماء في صناعة مظلوميات ولطميات حتى يصير الشارع فريقين؛ كل فريق منهما حريص على قتل صاحبه.

- والأخطر من ذلك كله: "تشويه وتحطيم الدعوة السلفية" ورموزها الإسلامية الوسطية العاقلة، ونزع توقيرهم من نفوس الناس؛ لأنهم يعلمون أن الناس يصدرون عن آرائهم، وأنهم كالإسمنت بيْن لِبِنات المجتمع، فيغرون سفهاءهم على العلماء سبًّا ولعنًا وتخوينًا؛ لتزول هيبتهم من صدور عامة الشعب.

- تعتقد جماعة الإخوان المسلمين أنها أذكى من القوى الإقليمية والدولية! وأنها تستغل تلك القوى في التخلص من الكتلة الصلبة في بلادها، وأنها سوف تنفرد بحكم البلاد فيما بعد, ولو تدبرت في الواقع القريب؛ لرأت "طارق الهاشمي" رأس إخوان العراق وكيف استغله الأمريكان والشيعة في القضاء على المقاومة في العراق ثم ألقي به كالفأر الميت خارج العراق!

الصفحة التالية