شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كتابات في الدفاع عن السنة... (منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن) للعلامة الألباني

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

رسالة: (منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن) للعلامة الألباني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قدَّمنا في مقالة سابقة لجهود علماء الحديث على مرِّ العصور في ردِّ السهام عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، واليوم نستعرض رسالة وجيزة للعلامة "الألباني" -رحمه الله- في الدفاع عن قضية السنة كانت في الأصل محاضرة، ثم نُشرت في رسالة بعنوان: "منزلة السنة من الإسلام، وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن"، وهي مِن الرسائل المختصرة التي يُمكن تداولها وقراءتها وتدريسها، كما أن للشيخ رسالة بعنوان: "مقدمة في مصطلح الحديث"، وأخرى بعنوان: "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام" سوف نعرض لها في مرة قادمة -بإذن الله تعالى-، وقد نقتبس منها هنا بعض الفقرات لتتمة المعاني.

وقد تناول الشيخ "الألباني" -رحمه الله- في هذه الرسالة الموضوعات الآتية:

1- وظيفة السنة في القرآن.

2- ضرورة السنة لفهم القرآن، وأمثلة على ذلك.

3- ضلال المستغنين بالقرآن عن السنة.

4- عدم كفاية اللغة لفهم القرآن.

5- مناقشة حديث معاذ -رضي الله عنه- في الرأي، ورأي الشيخ الألباني فيه.

وإليك كلام الشيخ في تلك الرسالة الماتعة، ثم بعض التعليقات والإضافات المستفادة مِن كلامه -رحمه الله- في رسالة: "الحديث حجة بنفسه"، أو مِن كلام المحقق "محمد عيد عباسي".

- وظيفة السنة في القرآن:

قال العلامة "الألباني" -رحمه الله تعالى-: "تعلمون جميعًا أن الله -تبارك وتعالى- اصطفى محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بنبوته، واختصه برسالته؛ فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه في جملة ما أمره به أن يبيِّنه للناس؛ فقال -تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:44) ، والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:

الأول: بيان اللفظ ونظمه، وهو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة كما أنزله الله -تبارك وتعالى- على قلبه -صلى الله عليه وسلم-، وهو المراد بقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (المائدة:67) ، وقد قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها- في حديث لها: "ومَن حدَّثكم أن محمدًا كتم شيئًا أُمِر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت الآية المذكورة" أخرجه الشيخان. وفي رواية لمسلم: لو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كاتمًا شيئًا أُمر بتبليغه لكتم قوله -تعالى-: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) (الأحزاب:37) .

والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المُجملة أو العامة أو المطلقة، فتأتي السنة فتُوضِّح المُجمل، وتُخَصِّص العام، وتُقيِّد المطلق، وذلك يكون بقوله -صلى الله عليه وسلم- كما يكون بفعله وإقراره.

ضرورة السنة لفهم القرآن وأمثلة على ذلك:

وقوله -تعالى-: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) (المائدة:38) ، مثال صالح لذلك؛ فإن السارق فيه مطلق كاليد، فبيَّنت السنة القولية الأول منهما، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينار، بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا قَطْعَ إِلا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ) أخرجه الشيخان. كما بينت الآخر بفعله -صلى الله عليه وسلم- أو فعل أصحابه وإقراره؛ فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل -كما هو معروف في كتب الحديث-، وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (النساء:43، المائدة:6) ، بأنها الكف أيضًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن ياسر -رضي الله عنهما-.

وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهمًا صحيحًا على مراد الله -تعالى- إلا مِن طريق السنة:

1- قوله -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام:82) ؛ فقد فهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: ( بِظُلْمٍ ) على عمومه الذي يشمل كل ظلم، ولو كان صغيرًا، ولذلك استشكلوا الآية فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) أخرجه الشيخان وغيرهما.

2- قوله -تعالى-: ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (النساء:101) ؛ فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصْر الصلاة في السفر مشروط له الخوف، ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقالوا: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ قال: ( صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ) (رواه مسلم) .

3- قوله -تعالى-: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ) (المائدة:3) ؛ فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك، والكبد والطحال مِن الدم حلال؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ ) والحوت: أي السمك بجميع أنواعه. أخرجه البيهقي وغيره مرفوعًا وموقوفًا، وإسناد الموقوف صحيح، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يُقال من قِبَل الرأي.

الصفحة التالية