كتابات في الدفاع عن السنة... (منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن) للعلامة الألباني
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
4- قوله -تعالى-: ( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) (الأنعام:145) ، ثم جاءت السنة فحرمت أشياءَ لم تُذكر في هذه الآية؛ كنهيه -صلى الله عليه وسلم- عن كل ذي ناب مِن السباع، وكل ذي مخلب مِن الطير، وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك، كقوله -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر: ( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ ) أخرجه الشيخان.
5- قوله -تعالى-: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (الأعراف:32) ، فبيَّنت السنة أيضًا أن مِن الزينة ما هو مُحرَّم؛ فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه خرج يومًا على أصحابه، وفي إحدى يديه حرير، وفي الأخرى ذهب فقال: ( هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهَا ) أخرجه الحاكم وصححه.
والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في "الصحيحين" وغيرهما، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه.
ومما تقدَّم يتبيَّن لنا أيها الإخوة أهمية السنة في التشريع الإسلامي، فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة فضلاً عن غيرها مما لم نذكر؛ نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا إلا مقرونًا بالسنة.
ففي المثال الأول: فهم الصحابة "الظلم" المذكور في الآية على ظاهره، ومع أنهم كانوا -رضي الله عنهم- كما قال ابن مسعود: "أفضل هذه الأمة أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفـًا"، فإنهم مع ذلك قد أخطأوا في ذلك الفهم، ولولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ردهم عن خطئهم وأرشدهم إلى أن الصواب في "الظلم" المذكور إنما هو الشرك؛ لاتبعناهم على خطئهم، ولكن الله -تبارك وتعالى- صاننا عن ذلك؛ بفضل إرشاده -صلى الله عليه وسلم- وسنته.
وفي المثال الثاني: لولا الحديث المذكور؛ لبقينا شاكين -على الأقل- في قصر الصلاة في السفر في حالة الأمن إن لم نذهب إلى اشتراط الخوف فيه كما هو ظاهر الآية، وكما تبادر ذلك لبعض الصحابة لولا أنهم رأوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقصِر ويقصرون معه وقد أمنوا.
وفي المثال الثالث: لولا الحديث أيضًا لحرمنا طيبات أُحلت لنا، مثل: الجراد والسمك، والكبد، والطحال.
وفي المثال الرابع: لولا الأحاديث التي ذكرنا فيه بعضها لاستحللنا ما حرَّم الله علينا على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- مِن السباع، وذوي المخلب من الطير.
وكذلك المثال الخامس: لولا الأحاديث التي فيه لاستحللنا ما حرم الله على لسان نبيه من الذهب والحرير، ومن هنا قال بعض السلف: "السنة تقضي على الكتاب".
ضلال المستغنين بالقرآن عن السنة:
ومن المؤسف أنه قد وُجد في بعض المفسرين والكتـَّاب المعاصرين مَن ذهب إلى جواز ما ذكر في المثالين الأخيرين من إباحة أكل السباع، ولبس الذهب والحرير، اعتمادًا على القرآن فقط، بل وجد في الوقت الحاضر طائفة يتسمون بـ"القرآنيين" يفسِّرون القرآن بأهوائهم وعقولهم، دون الاستعانة على ذلك بالسنة الصحيحة، بل السنة عندهم تبع لأهوائهم، فما وافقهم منها تشبثوا به، وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظِهْريًّا.
وكأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أشار إلى هؤلاء بقوله في الحديث الصحيح: ( لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ ) رواه الترمذي. وفي رواية لغيره: ( أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ). وفي أخرى: ( أَلا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ).
بل إن مِن المؤسف أن بعض الكتَّاب الأفاضل ألـَّف كتابًا في شريعة الإسلام وعقيدته، وذكر في مقدمته أنه ألفه، وليس لديه من المراجع إلا القرآن!
فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة قاطعة على أن الشريعة الإسلامية ليست قرآنًا فقط، وإنما هي قرآن وسنة؛ فمن تمسك بأحدهما دون الآخر، لم يتمسك بأحدهما؛ لأن كل واحد منهما يأمر بالتمسك بالآخر كما قال -تعالى-: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (النساء:80) ، وقال: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وقال: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا ) (الأحزاب:36) ، وقال: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) .
وبمناسبة هذه الآية يُعجبني ما ثبت عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، وهو أن امرأة جاءت إليه، فقالت له: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ، لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَمَا لِي لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) . (متفق عليه) .