شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كتابات في الدفاع عن السنة... (منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن) للعلامة الألباني

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

فهذا هو الذي أردتُ أن أنبِّه إليه؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله -تعالى- أسأل أن يعصمنا وإياكم من الزلل، ومن كل ما لا يرضيه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

انتهت الرسالة المباركة، وهذه بعض التعليقات عليها:

1- أشار الشيخ إلى مسألة أن السنة وحي مِن عند الله في هذه الرسالة، وفي رسالة "الحديث حجة بنفسه".

وقد أجاد الشيخ "محمد عيد عباسي" في تقدمته لرسالة "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام"، فقرر هذه القاعدة في فقرة جيدة ننقلها هنا؛ لأهميتها، فقال: "السـُّنة مِن الذكر، وهي محفوظة إلى يوم القيامة، وهذه مسألة أحببت التنبيه عليها؛ لأهميتها وغفلة الكثيرين عنها، وهي أن السنة من الذكر، وأنها محفوظة من الضياع، ومأمونة من الاختلاط بغيرها بحيث يستحيل تمييزها أو فصلها عما ليس منها؛ خلافـًا لما يظنه أهل بعض الفرق المارقة الضالة؛ كالقاديانية والقرآنيين الذين يقولون: إنه قد اختلط المكذوب المختلق من الحديث في الصحيح الثابت منه، وليس في وسع إنسان التفريق بينهما، وأن المسلمين بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- قد التبس عليهم حديث نبيهم وضاع، ولم يعودوا قادرين على الاستفادة منه والرجوع إليه؛ لأنه لا يمكن الوثوق بشيء منه أبدًا!

وهكذا ضرب هؤلاء عرض الحائط بالمصدر الثاني للدين الإسلامي، وأطاحوا به وهدموه، وهو المصدر الذي يتوقف عليه أيضًا فهم المصدر الأول نفسه "أي القرآن" والاستفادة منه، وهذا هدف عظيم ومطمح كبير للكفار وأعداء الإسلام، يبذلون مِن أجله كل ما يملكون.

وبعضهم قال: إن مِن الواقع الثابت اختلاط الحديث الصحيح بالموضوع، ولكن هناك طريقة لتمييز بعضها مِن بعض، وهي قوله -صلى الله عليه وسلم-: "سيفشو الكذب عليَّ، فما سمعتم عني فاعرضوه على القرآن؛ فما وافقه فأنا قلته، وما لم يوافقه فأنا بريء منه".

وهذا الحديث من الأحاديث الموضوعة المتلفة عند جميع أهل العلم بالحديث، وقال أحد العلماء الأذكياء: لقد فعلنا بهذا الحديث ما طلبه منا، فعرضناه على القرآن، فوجدناه يخالفه في قوله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، وغيره، فحكمنا بوضعه وبراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- منه.

ومن الأدلة على حفظ السنة قوله -تبارك وتعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ؛ ففي هذه الآية الكريمة وعد قاطع من الله -تعالى- بحفظ الذكر، فما هو الذكر؟

لا شك أنه أول ما يشمل "يشمل القرآن الكريم"، ولكنه عند التأمل والتدقيق يشمل أيضًا: "السنة النبوية الشريفة"، وإلى هذا ذهب عدد مِن العلماء المحققين، منهم الإمام أبو محمد علي بن حزم -رحمه الله تعالى- فقد عقد فصلاً طويلاً ممتعًا في كتابه القيِّم "الإحكام في أصول الأحكام"، وساق فيه أدلة قوية وبراهين مفحمة للتدليل على أن السنة من الذكر، وأنها محفوظة كالقرآن، وأن خبر الآحاد يفيد العلم.

ومما قاله: "قال الله -عز وجل- عن نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم:3-4) ، وقال -تعالى- آمرًا لنبيه -عليه الصلاة والسلام- أن يقول: ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (الأحقاف:9) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ، وقال -تعالى-: ( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (النحل:44) ، فصح أن كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كله في الدين وحي من عند الله -عز وجل-، لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله -تعالى- فهو ذكر منزل؛ فالوحي كله محفوظ بحفظ الله -تعالى- له بيقين، وكل ما تكفَّل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرَّف منه شيء أبدًا تحريفًا لا يأتي البيان ببطلانه؛ إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله -تعالى- كذبًا، وضمانه خائسًا -أي فاسدًا وناقصًا-، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل, فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد -صلى الله عليه وسلم- محفوظ بتولي الله -تعالى- حفظه، مبلَّغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدًا إلى انقضاء الدنيا، قال -تعالى-: ( لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (الأنعام:19) .

فإذ ذلك كذلك، فبالضروري ندري أنه لا سبيل ألبتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الدين، ولا سبيل ألبتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطًا لا يتميز عن أحد مِن الناس بيقين؛ إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) كذبًا ووعدًا مخلفًا، وهذا لا يقوله مسلم.

فإن قال قائل: إنما عني -تعالى- بذلك القرآن وحده، فهو الذي ضمن -تعالى- حفظه، لا سائر الوحي الذي ليس قرآنًا.

قلنا له -وبالله -تعالى التوفيق-: هذه دعوى كاذبة مجردة مِن البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل؛ لقوله -تعالى-: ( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (البقرة:111) ، فصحَّ أن لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن.

الصفحة السابقة الصفحة التالية