كتابات في الدفاع عن السنة... (منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن) للعلامة الألباني
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وأيضًا فإن الله -تعالى- يقول: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )، فصح أنه -عليه السلام- مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير: كالصلاة، والزكاة، والحج، وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله -تعالى- فيه بلفظه، لكن بيان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان بيانه -عليه السلام- لذلك المجمل غير محفوظ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذن لم ندرِ صحيح مراد الله -تعالى- منها فما أخطأ فيه المخطئ، أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا".
قلتُ: وقد نقل كلام ابن حزم -رحمه الله- هذا وغيره الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه: "مختصر الصواعق المرسلة"، وأقرَّه واستحسنه، وقال عقبه: "وهذا الذي قاله أبو محمد -يعني ابن حزم- حق في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول عملاً واعتقادًا، دون الغريب الذي لم يعرَف تلقي الأمة له بالقبول".
وممن ذهب إلى ذلك أيضًا الإمام عبد الله بن المبارك -رحمه الله-، فقد سُئِل: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) . وقد نقل مثل ذلك عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله-.
ومنهم العلامة حمد بن إبراهيم الوزير، فقد قال بعد ما ذكر الآية السابقة: "وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تزال محفوظة، وسنته لا تبرح محروسة" ( الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم) .
ومِن الأدلة أيضًا: أن الله -جلَّ شأنه- جعل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خاتم أنبيائه ورسله، وجعل شريعته الشريعة الخاتمة، وكلَّف الناس بالإيمان به، واتباع شريعته إلى يوم القيامة، وألغى كل شريعة تخالفها، فمما تقتضيه إقامة حجة الله -تعالى- على عباده أن يبقي دينه -صلى الله عليه وسلم-، ويحفظ شرعه؛ إذ من المحال أن يكلف الله عباده بأن يتبعوا شريعة مُعرَّضة للزوال أو الضياع، ومعلوم أن المرجعين الأساسيين للشريعة الإسلام هما: "القرآن والسنة"، كما قال الله -تعالى-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) ، وقال –صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) أي "السنة".
والقرآن محفوظ؛ لكونه منقولاً إلينا بالتواتر، وهو أعلى درجة من درجات ثبوت الأخبار، وبما أن السنة هي المبيِّنة للقرآن والشارحة له، والمخصصة لعمومه، والمقيدة لمطلقه، ولا يمكن فهم القرآن، ولا العمل به إلا بواسطتها، كما قال -تبارك وتعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بسنته هو الذي يبيِّن ويشرح للناس ما نُزِّل إليهم من كلام الله -تبارك وتعالى-، فلزِم من ذلك لزومًا حتميًّا أن يحفظ الله -سبحانه- السنة ويتعهد ببقائها، وعلى هذا تنطبق القاعدة الأصولية الصحيحة القائلة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فحجة الله -تعالى- على عباده لا تقوم إلا بحفظ رسالته وشرعه، وهذا الحفظ لا يتم إلا بحفظ السنة؛ فلزم مِن ذلك حفظ السنة، وهو المطلوب.
2- أيضًا من المفيد هنا بعد بيان لزوم اتباع السنة، وأنها وحي محفوظ من عند الله أن نؤكِّد على المعنى الذي أشار إليه الألباني -رحمه الله- في رسالة "الحديث حجة بنفسه" مِن أن لزوم السنة لا يقتصر على الجيل الأول، وإلا فلا نظن أن رجلاً مسلمًا قط يمكن أن يقول إنه يسع مَن سمع حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- شفاهة أن يرده أو يدعي عدم لزومه، وهذا الحكم الثابت بالخطاب القرآني يبقى ثابتًا في كل جيل مخاطب بالقرآن فسوف يبقى مخاطبًا بالسنة.
وفي ذلك يقول الشيخ "الألباني" -رحمه الله- في الرسالة المذكورة:
"لزوم اتباع السنة على كل جيل في العقائد والأحكام:
أيها الأخوة الكرام، هذه النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة، كما أنها دلت دلالة قاطعة على وجوب اتباع السنة اتباعًا مطلقًا في كل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن مَن لم يرضَ بالتحاكُم إليها والخضوع لها فليس مؤمنًا، فإني أريد أن ألفت نظركم إلى أنها تدل بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين هامين أيضا:
الأول: أنها تشمل كل مَن بلغته الدعوة إلى يوم القيامة، وذلك صريح في قوله -تعالى-: ( لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (الأنعام:19) ، وقوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا )، وفسره -صلى الله عليه وسلم- بقوله في حديث: ( وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ) (متفق عليه) ، وقوله: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) .
والثاني: أنها تشمل كل أمر مِن أمور الدين، لا فرق بين ما كان منه عقيدة علمية أو حكمًا عمليًّا أو غير ذلك، فكما كان يجب على كل صحابي أن يؤمن بذلك كله حين يبلغه من النبي -صلى الله عليه وسلم- أو من صحابي آخر عنه، كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي، فكما كان لا يجوز للصحابي مثلاً أن يرد حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه -صلى الله عليه وسلم-، فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها ما دام أن المخبر به ثقة عنده، وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين، كما سيأتي النص بذلك عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-.