شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ردًّا على الدكتور "خالد منتصر"... العالمانية مِن تأويل النص إلى تحريف الطب!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تداول النشطاء مقطع فيديو لجزءٍ مِن محاضرة للدكتور "خالد منتصر" انتقد فيها توظيف الطب لترغيب الناس في أداء طقوس دينية معتبرًا أن هذا الأمر يتم بمغالطاتٍ طبية.

ودلل على ذلك بأمور، منها -مِن وجهة نظره-:

1- احتواء ماء "زمزم" على معادن ضارة! واستشهد ببحث لباحثٍ سعودي لم يذكر اسمه "وذكر اسمه لاحقًا في تصريحات لليوم السابع هو الدكتور فيصل شاهين".

2- الصوم ليس مفيدًا، بل هو مضر للكلى! للامتناع عن الشرب 18 ساعة، وأخلاق الصائمين ونرفزتهم تؤكد أن الصوم لا علاقة له مطلقًا بتحسين الصحة!

3- فيما يتعلق بالحكمة مِن تحريم الخنزير ادعى الآتي:

- أن البقر فيه دودة شريطية كالتي في الخنزير!

- أن الطيور في الريف المصري تأكل القاذورات؛ فلماذا لا تحرَّم؟!

- أن الخنزير الأوروبي يعيش في أماكن أفضل مِن شقق الخمس نجوم عندنا!

- وأضاف معلومة شخصية، وهي: أن أول "حصالة" في حياته كانت على شكل "خنزير!".

ثم إنه أدلى بتصريحات "لليوم السابع" جاء فيها قوله:

- "هل نحن نصوم لأن الصيام فريضة، أم لأن الصيام مفيد للكبد والكلى؟! إذا سوَّقنا المفهوم الثاني سيصبح خطرًا على الدين؛ لأن ممكن عالم يقول إنه في اليوم الحار 18 ساعة بدون مياه لن تستفيد الكلى مثلما تقولون، ما الموقف حينها؟! إذًا نحن نضر الدين ولا ننفعه".

- "بالنسبة للحم الخنزير: هل نحن لا نأكله لأن ديننا أمرنا بذلك، أم لأن فيه دودة "التنيا سوليم"؟! لو قلنا: إنها الثانية، واعتمدنا على ذلك؛ سيخرج علينا مَن يقول: طب والبقر ما عندهم "التنيا ساجيناتا"، هنا سيتشكك المتدين في دينه، والسبب مَن رسَّخ هذه الفكرة في ذهنه، وليس السبب الدين نفسه".

- "بالنسبة لماء زمزم هو رمز ديني، لكن تحويله لشفاء مِن كل شيء خطر على الدين مِن ناحية أنه ماذا لو خرج بحث مثل بحث د."فيصل شاهين" السعودي يحذر فيه مرضى الكلى مِن تناول ماء زمزم لوجود بعض المعادن المضرة بالكلى؟! وهل السعوديون الذين يسكنون بقرب زمزم ويشربون منه أضعافًا مضاعفه لا يمرضون! يكفي أن نأخذ الرمز الديني وبلاش نربطه بالطب ونحوله لعلاج لكل شيء، الربط هنا خطير على الدين أولًا، وعلى العلم ثانيًا!".

ثم خرج في برنامج "بوضوح"، وردد كثيرًا مما قاله، وزاد على هذا إنكاره لوجود الإعجاز العلمي في القرآن!

وإليك مناقشة وردٌّ على بعض ما قاله:

1- الفوائد الدنيوية للعبادات بيْن الإفراط والتفريط:

- في معرض دفاعه عن نفسه بعد الآراء الصادمة التي ذكرها في ندوته، قال "خالد منتصر": "إنه يريد أن يفعل المسلمون العبادة مِن أجل العبادة"، ولو كانت هذه هي قضية الدكتور "خالد منتصر"؛ لهان الخطب، ولعد في نطاق "المتشددين" في تحقيق الإخلاص في العبادة!

- ولكنه أضاف إلى هذا: ادعاء أن الله افترض علينا عباداتٍ تضر بأبداننا وصحتنا، ومع هذا فهذه الرؤية التي انتحلها "خالد منتصر" تبدو "متشددة" في مقابل دعوات يتبناها البعض تكاد تحصر فوائد العبادات في فوائدها الدنيوية! مع أن الأصل أن المسلم يفعلها طالبًا فائدتها الأخروية؛ ففي الصيام الذي كان أحد أهم محاور "خالد منتصر" قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) . أي: إيمانًا وتصديقًا بفرضيته وبوعد الله بالثواب عليه، واحتسابًا لذلك الثواب.

- ومع هذا فقد جاء في الشرع ذكر بعض الفوائد الدنيوية للطاعات؛ فأخبر -تعالى- على لسان نوح -عليه السلام-: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) (نوح:10-12) ، وهذا في شأن نعم يقدِّر الله حصولها لمن أطاعه، وكذلك لو كانت الطاعة ذاتها تفيد في بعض الأمور الدنيوية، ومع هذا فلم يعوِّل الشرع على هذا تعويلاً كبيرًا.

2- الحِكَم الدنيوية للتشريع في المعاملات بيْن الإفراط والتفريط:

كما تبنى "خالد منتصر" أعلى درجات التشدد في باب "إخلاص النية في العبادة!"؛ تبنى أيضًا أمرًا أبعد ما يكون عن منهجه الذي يدعو دائمًا إليه، وهو: "إعمال العقل ولو في مصادمة النص!"؛ فدافع عن كلامه في شأن "الخنزير" بأن المسلم يجتنبه؛ لأنه محرم وفقط، وليس مِن أجل الضرر!

والأمر هنا في شأن "المعاملات" يختلف عن "العبادات"؛ حيث يذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأصل في الأحكام التعليل.

وبناءً عليه فإذا جاء الشرع بتحريم "لحم الخنزير"؛ فإننا نأخذ مِن ذلك أمورًا:

- وجوب الانتهاء التام عن ذلك؛ طاعة لله علمنا العلة أم لم نعلمها.

- الإيمان المجمل بأنه لا بد مِن علة لهذا الحكم، فالله هو الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء في مواضعها.

- الإيمان بأن العلة لجامعة لباب المنهيات هي ما وردت في قوله -تعالى- في صفة رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) (الأعراف:157) .

ثم ما زاده بيانًا بقوله: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) (البقرة: 219) ، ومِن ذلك نأخذ أن كلَّ محرم؛ فهو إما لأنه ضرر محض، وإما ضرره أكبر مِن نفعه.

- ثم قد يكون هناك باب للاجتهاد والنظر الدنيوي، والتأمل في الأضرار التي تلحق مَن خالف شرع الله.

ومِن هنا ندرك أن:

3- الإعجاز العلمي في القرآن بيْن الإفراط والتفريط:

الصفحة التالية