شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ردًّا على الدكتور "خالد منتصر"... العالمانية مِن تأويل النص إلى تحريف الطب!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

قال الله -تعالى-: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (فصلت:53) ، ومِن هذا الباب وجد العلماء أن ثمة أمورًا وردت في الكتاب والسنة آمن بها المسلمون على مر العصور على أنها غيب مطلق ثم صارت في زماننا شهادة، واصطلح العلماء على تسمية هذا الباب بـ"الإعجاز العلمي في القرآن".

ومِن أبرز أمثلته: ما ورد في القرآن مِن "مراحل تكوين الجنين"، والتي وردت في قوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (المؤمنون:12-14) .

ولا ندري ماذا يقول د."خالد منتصر" على هذا المثال بالذات؟! وهل يرى فيه إعجازًا: أي أمرًا غير داخل في قدرة البشر، وبالتالي يستدل به أن هذا الكلام مِن عند الله أم لا؟!

ولكن يجب أيضًا أن نعلـِّق على موقف بعض المزايدين على قضية الإعجاز العلمي في القرآن: فهم يفسِّرون القرآن على ضوء افتراضات علمية لم ترقَ بعد إلى درجة الحقيقة العلمية أو يتحدثون عن حقائق علمية، ولكن يحاولون انتزاعها مِن آيات بتكلف يفسد معنى الآية، بل ربما يتوهم مَن يسمع كلامهم أن القرآن كتاب في الفيزياء، بل في كل العلوم التجريبية! ولكن الصحيح أن الله جعل هذه الأمثلة آياتٍ متجددة، وآياتٍ في الأنفس والآفاق تصدِّق الآيات القرآنية المنزَّلة على محمد -صلى الله عليه وسلم-.

4- الطب النبوي بين الإفراط والتفريط:

وكفرع على هذه الأبواب السابقة انقسم الناس في شأن ما ورد في السنة النبوية مِن إرشادات طبية؛ فتعامل معها البعض على ما هي عليه مِن أن ما فيها مِن موافقة علوم الطب هو أحد أدلة صدق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعللوا عناية الوحي بشأن الطب خاصة مِن أن طب القلوب والأبدان متقاربان، وأن الطاعات لن يستطيع القيام بها إلا صاحب البدن السليم؛ فأرشد الشرع إلى فوائد طبية عامة، منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

كما أرشد الشرع إلى أبواب مِن التداوي: كالتداوي بمنتجات النحل، والحجامة، والحبة السوداء، والعجيب أن شكك د."خالد منتصر" في هذه الأمور بأن الأحاديث التي تحدثت عنها ربما تكون ضعيفة! مع أن منها ما هو مذكور في القرآن في قوله -تعالى- عن عسل النحل: ( فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ) (النحل:69) .

والناس في هذا الباب -أيضًا- طرفان ووسط: فطرف يظن هذا الأمر علاجًا مِن كل الأمراض، ويخلط بيْن الجزء الثابت بالوحي، وهو أصل إثبات أن هذا الباب فيه وسيلة للعلاج، وبين تجارب الأطباء؛ فضلاً عن المعالجين مِن غير الأطباء، وفي الجانب الآخر تجد مَن يتعامل مع هذه النصوص بالتشكيك فيها وعدم الثقة بما دلت عليه.

فالحجامة -مثلاً-: قد تجد مِن الفريق الأول مَن لا يقبل أن تجادله في مدى فائدتها في مرض معين أو في كونها هي الأنفع والأجدى في مرض معين، وعلى الجانب الآخر: تجد مَن يشكك فيها ويسخر منها في ذات الوقت الذي يحترم فيه العلاج بـ"الإبر الصينية" رغم أنها هي والحجامة مِن باب واحد! وإن كانت الحجامة تفوقها مِن حيث أثرها في إزالة الاحتقانات الموضعية في المفاصل وغيرها.

"خالد منتصر" ومصارعة "طواحين الهواء!":

على الرغم مِن وجود مَن يغالي في شأن ما يُعرف بالطب النبوي فإنه لم يحدث منذ زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا أن دعا أحد إلى إغلاق كل أبواب التداوي والاقتصار على حبة البركة أو الحجامة أو ماء زمزم أو غيرها، فضلاً عن إغلاق كليات الطب وهو الهاجس الذي دائمًا ما يحاربه د."خالد منتصر".

وحتى الأحاديث التي أفادت شمول شيء مِن هذا مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فِي الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلا السَّامَ ) (متفق عليه) ، فالتفسير العلمي الصحيح لذلك أنها ترفع كفاءة جهاز المناعة؛ مما يساعد على شفاء كل الأمراض، ولكن قائل ذلك هو الذي قال -صلى الله عليه وسلم- لما سأله السائل: أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: ( نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وعن رجل من الأنصار قال: عَادَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلاً بِهِ جُرْحٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( ادْعُوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلانٍ ), فَدَعَوْهُ فَجَاءَ, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, وَيُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا؟ فَقَالَ: ( سُبْحَانَ اللهِ, وَهَلْ أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ فِي الأَرْضِ, إِلا جَعَلَ لَهُ شِفَاءً؟ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

على أن هذا الكلام شائع في كلام الأطباء القدماء منهم والمعاصرين؛ فمنهم مَن يقول: "تفاحة في اليوم تغنيك عن زيارة الطبيب"، ومنهم مَن يتكلم عن العشب الفلاني الذي يمثـِّل صيدلية متكاملة إلى آخره، وبالطبع مقصود كل هؤلاء أثر هذه الفواكه أو الأعشاب في رفع جهاز المناعة أو أثره الإيجابي على كل أجهزة الجسم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية