شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ردًّا على الدكتور "خالد منتصر"... العالمانية مِن تأويل النص إلى تحريف الطب!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ومِن هنا نعلم: أن علماء الأمة قد فسَّروا الحكمة الشرعية على ضوء الحكمة الطبية أخذًا مِن القواعد العامة المذكورة في قوله -تعالى-: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (الحج:78) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ).

لماذا لا نصوم طوال العام؟!

مارَسَ د."خالد منتصر" أسلوبًا غريبًا في المناقشة؛ فبعد تعميمه للاستثناء بذكر ضرر الصوم على المريض مغفِلاً تناول الشرع لهذه القضية، عاد وقال: "إنه إذا كان الصوم كذلك فلنغلق كليات الطب!" وهي شبهة سبق الجواب عليها.

وأضاف أخرى: "ولماذا لا نصوم طوال العام؟!".

وفي الواقع: إن مَن تحدثوا عن فوائد الصيام لا يلزمهم أن يجعلوه طوال العام؛ وإلا فالصوم الطبي -"الإمساك عن الطعام تمامًا مع شرب الماء كما سبق بيانه"- ينصحون به فترة تتراوح ما بيْن أسبوع وأسبوعين.

على أن الشرع أوجب الصيام شهرًا في العام، وأبقى العام كله محلاً للتطوع: كصيام ثلاثة أيام مِن كل شهر، أو الاثنين والخميس مِن كل أسبوع، وأعلى درجات التطوُّع أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأما مواصلة الصوم وهو صوم الدهر؛ فمنهيٌّ عنه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا يضر البدن، وذهب بعضهم إلى أن صيام الدهر سوف يتحول إلى عادة، ويرتب الإنسان موعد طعامه وشرابه على هذا؛ مما يفقد اليوم معنى المجاهدة، وهو المقصود الأصلي للصوم.

الصيام والنشاط، والصيام وحسن الأخلاق:

مما تعرض له "خالد منتصر" أن المشاهَد مِن حال الصائمين مِن الكسل والنرفزة يدل على عكس ما يقولون مِن أن الصيام مفيد للصحة!

وهذا الكلام في الواقع فيه ما فيه مِن المغالطات؛ إذ لا ينكِر أحدٌ أن الصيام فيه جهد ومشقة، وإذا رأيتَ صائمًا في رمضان فستجد أن أداءه البدني أقل مِن الطبيعي، ولا علاقة بهذا بأثر الصيام في الصحة؛ لأن مَن يتحدث عن أثر الصيام في الصحة يتحدث عن المدى الطويل، وليس عن الصيام ذاته.

- ومع هذا فلا يمكن أن يكون الصيام سببًا لحالة الكسل التي يكون عليها الناس في رمضان، وسبب الكسل معروف في إنهاك الصائم طوال الليل في اللهث وراء المسلسلات وبرامج المنوعات؛ فيترك الناس النوم ليس بغرض الصيام، ولكن بسبب هذه السهرات! والتي تزيد على هذا بالإرهاق النفسي ما بيْن إثارة الشهوات أو برامج المقالب، ومشاهد الرعب، والذنب ليس ذنب الصيام "ولا ذنب رمضان"، وإنما ذنب مَن شغله بما يتنافى معه تمامًا!

- وأما حالة الضيق والنرفزة: فهي ليست فرعًا على الامتناع عن الطعام والشراب، بل غالب مَن يصاب بهذه الأعراض هو مَن يكون شكواه مِن الامتناع عن الدخان وغيره؛ فيسبب الإقلاع المفاجئ عنه توترًا وفسادًا في المزاج، ومِن ثَمَّ لا ينبغي أن نأخذ هؤلاء كنموذج، ولكن علينا أن نساعدهم في أن يجعلوا مِن شهر رمضان فرصة للإقلاع عن التدخين، وعن كل العادات السيئة.

كما أن حسن الأخلاق في الصيام ليس نابعًا مِن أثر طبي بقدر ما هو نابع مِن أثر إيماني، وهو حرص الصائم على عدم إفساد صومه أو جرح حرمته، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ) (متفق عليه) .

ومِن المفيد هنا أن نعرِّج أيضًا على العادات السيئة في تناول الطعام في رمضان مما يمكن أن يفقد الصيام كل فوائده الطبية تقريبًا؛ فالصيام النبوي أن تفطر على تمرات وحسوات مِن ماء ثم تصلي المغرب، وفي هذا رفق بالجهاز الهضمي وإعطاؤه فرصة للنشاط ومعالجة آثار الأنسولين المتراكم بإعطائه التمر الحلو، وبعد ذلك قد يأتي الطعام والذي تبقى فيه القاعدة النبوية: ( فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ )، ثم يكون السحور قُبيل الفجر مع جرعات مِن ماء، وبعده صلاة الفجر في جماعة.

فأين هذا ممن يفطر على الدخان أو يُلقي في معدته كل صنوف الطعام، مع الإسراف في الحلوى طوال الليل، ثم يتناول السحور وينام على هذه الحال ولا يدرك الفجر؟! وكيف تراه إذا استيقظ لعمله؟!

فمَن وقع في هذا أو في شيء منه؛ فسوف يناله مِن الكسل، وضيق الخلق، والبعد عن الأجواء الإيمانية للشهر بقدر ما ابتعد عن الصيام النبوي.

ردود سريعة:

الخنزير بيْن الطب والدين:

الخنزير محرم؛ لأن الله حرمه، والله أخبرنا في صفة محمد -صلى الله عليه وسلم-: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ )، فعلِمنا أن كل محرم خبيث حتى "الخنزير الأوروبي" الذي يعيش في أماكن أفضل مِن شقق الخمس نجوم عندنا، وقد بحث علماء الطب وعلماء الحيوان فوجدوا أن الخنزير عائل لكثير مِن الأمراض؛ منها: الدودة الشريطية، وليست هذه وحدها حتى تبني حكمك عليها.

ومع هذا فنحن نعلم أن البقر يمرض بالدودة الشريطية وبغيرها، وفي هذه الحالة يحرم أكلها، ولكن احتمال إصابة الخنزير بها وبغيرها أعلى بكثير "والحكم للأغلب"، كما أن درجة خطورة الدودة الشريطية الخنزيرية أعلى بكثير جدًّا مِن الدودة الشريطية البقرية كما هو معلوم عند "أهل الطب".

وأما "جنون البقر" فناتج عن مخالفة الشرع، ووضع الدماء ولحوم الحيوانات غير مأكولة اللحم "وأخبثها الخنزير" في علف البقر.

- ومِن هنا تعلم أن الخمر، والخنزير مِن الخبائث؛ فهل تقبل أن تحضر لطفلك حصالة على شكل زجاجة خمر؟! بل هل تقبل أن تفعل ما هو أدنى بذلك بكثير مِن أن تُحضِر لطفلك حصالة على شكل "علبة سجائر"؟! أظن أن الإجابة بالقطع لا.

- ومِن ثَمَّ إذا صحَّت قصة أن والدك اشترى لك حصالة على شكل خنزير في صغرك فكان الواجب عليك أن تستغفر له لا أن تعتبره حجة على العالمين!

حكم الحيوانات الطاهرة إذا تغذت على النجاسة:

في سياق دفاعه عن "الخنزير!" استشهد "خالد منتصر" بالطيور التي تأكل القاذورات في الريف المصري! ونحب أن نقول له: إن هذه المسألة منصوص عليها في السُّنة، ويسمى هذا الطائر أو الحيوان بالجلالة، وورد فيها عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الجَلالَةِ فِي الإِبِلِ: أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا، أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية