ردًّا على الدكتور "خالد منتصر"... العالمانية مِن تأويل النص إلى تحريف الطب!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
- (صُومُوا تَصِحُّوا): لم يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن ثبت ما هو أعم من ذلك، والكثير من الوعاظ يتساهلون في أن ينسبوا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "صوموا تصِحُّوا"، وهو حديث لا تصح نسبته إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومِن المفيد هنا أن نشيد بجهود علماء الحديث الذين لم يقبلوا أن ينسبوا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- قولاً إلا أن يأتي مِن طريق الرواة الثقات، حتى وإن كان القول ذاته صحيح المعنى، والذي ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: ( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ )، وهذا يتوافق تمامًا مع كلام أهل الطب، وإن كان بعضهم -ومِن باب "التغابي!"- يثير شبهات حول أن النـَّفس لا يتم مِن المعدة وهو أمر لم يتعرض له الحديث لا مِن قريب ولا مِن بعيد، وإنما نصَّ على أن إبقاء جزء مِن المعدة خاليًا يساعد على التنفس الجيد، وهذا حاصل.
المهم أننا نأخذ مِن هذا أهمية تنظيم كميات الطعام، وخطورة اعتياد امتلاء المعدة بالطعام، وغني عن الذكر أن إراحة أي آلة تعمل باستمرار مثل الجهاز الهضمي وما يرتبط به من أجهزة لا يحتاج إلى عناء كبير لنعرف أنه مفيد لهذه الأجهزة؛ ولذلك كان مِن وسائل العلاج الطبية: "الصوم"، ومعناه عند الأطباء: "الإمساك التام عن الطعام مدة تصل إلى أسبوعين أو أكثر مع الإكثار مِن شرب الماء"، وهذا النوع له فوائده الطبية، وله في المقابل أضراره؛ حيث يَحرِم الجسم لفترة طويلة مِن البروتينات التي تجدد خلاياه، كما أنه يحرم الجسم مِن كثير مِن الأملاح النافعة؛ لا سيما تلك التي تفرز في البول كالبوتاسيوم، وإفرازها على مدار أسبوع أو أكثر دون تعويض لها يصيب الجسم بالكسل والخمول، وعمومًا فإن الامتناع عن الطعام مطلقًا لفترة طويلة أو الامتناع عن أنواع حيوية منه؛ له فوائده، ولكن له في ذات الوقت أضراره البالغة.
خطورة عدم شرب الماء والفرق بينه وبين الصيام:
إذا كان الإمساك عن الأكل، ولكن مع شرب الماء له فوائده وله أضراره، فإن تناول الإنسان لطعامه مع الإمساك عن شرب الماء أو حتى عدم شرب كمية الماء المناسبة، فإن هذا يعد ضررًا بالغًا، وذلك لأن الطعام يحتوي على أنواع مِن السموم والأملاح الزائدة عن حاجة الجسم والتي يرسلها الجسم بدوره إلى الكلى للتخلص منها عن طريق البول، وهذا في حاجة إلى الماء لتتم هذه العملية، وفي حالة عدم شرب الإنسان للكمية المناسبة من المياه يوميًّا، فإن هذا يجعله معرضًا للإصابة بحصوات الكلى وسائر أمراض الكلى، وأما إذا فعل هذا مريض الفشل الكلوي فربما يُعرِّض حياته نفسها للخطر، ومِن الواضح أن هذه الأخطار المترتبة على عدم شرب الماء هي لمن يأكل ولا يشرب، وليست لمن يمسك عن الاثنين معًا.
وهذا هو الفارق الذي لم ينتبه إليه "خالد منتصر" أو تغافل عنه.
وأما مَن يمسك عن الاثنين معًا؛ فلا يوجد سموم وأملاح تصل إلى الكلية أصلاً إلا عن طريق الأملاح المختزنة والماء المختزن، وقد هيَّأ الله الجسم وجعله قادرًا على إبقاء التوازن بيْن الأملاح المختزنة والماء المختزن، فيكون نتيجة هذا أن الصيام الشرعي يخلِّص الجسم مِن جزء مِن هذا المخزون غير المرغوب فيه، لا سيما وأن الصيام يكون مِن الفجر إلى المغرب بما يتراوح ما بين 12 ساعة إلى 18 ساعة، وبعدها يتمكَّن الصائم مِن تعويض ما فاته مِن الماء أو الغذاء، وهي فترة يحتملها الجسم بدون أدنى ضرر.
وبهذا تتبين أفضلية الصيام الشرعي على الصيام الطبي -حتى مِن الناحية الطبية- كما يتبيَّن الفرق بينه وبين الإخلال بمُعَدَّل شرب الماء المضر طبيًّا مع الأخذ في الاعتبار أن الفائدة الطبية في الصيام الشرعي فائدة عرضية، وأن الغرض الرئيسي منه تحقيق التقوى مِن الصبر ومراقبة الله -تعالى- والشعور بحاجة المحتاج، إلى آخر ذلك.
إباحة الفطر للمريض والحكمة الشرعية والطبية منه:
مِن المغالطات الواردة في كلام د."خالد منتصر" أنه يتكلم عن الاستثناء ويقلبه قاعدة، فعند الحديث عن ماء "زمزم" تحدث عن بحث طبي ينصح فئة خاصة مِن مرضى الفشل الكلوي بخطورة الشرب مِن ماء "زمزم"؛ لاحتوائه على نسبة عالية نسبيًّا مِن أملاح الصوديوم، وهذا في حالة ثبوته فغاية ما فيه أنه يجعل هؤلاء مستثنين مِن حكم استحباب الشرب مِن ماء "زمزم" إلى المنع مِن ذلك؛ وفقًا للقاعدة الشرعية الواردة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن مَن أفتى مَن في رأسه شجة بالاغتسال فمات: ( قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وماذا على "خالد منتصر" أو غيره لو شفوا شبهاتهم بالسؤال، وليكن إلى "علماء الأزهر"؛ ليجدوا عندهم الشفاء؟!
نقول هذا في حالة ثبوت ذلك الضرر؛ لأن كثيرًا مِن الباحثين ردوا على ذلك البحث بأن احتواء ماء "زمزم" على نسبة كبيرة مِن أملاح البوتاسيوم يُعادِل أملاح الصوديوم، ولا يجعل فيها أي ضرر حتى على مريض الفشل الكلوي.
وكذلك في حال الصيام، فإن مريض الفشل الكلوي أيضًا قد لا يناسبه أن يمسك عن الشرب طوال النهار؛ لأن كليته لن تكون قادرة على الاكتفاء بالماء المختزن في الخلايا حتى مع عدم الطعام، وهؤلاء قال الله -تعالى- في شأنهم: ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) (البقرة:184) .
وقد جاءت كلمة ( مَرِيضًا ) نكرة؛ لتفيد الإطلاق، ويبقى دور الاجتهاد المنضبط لأهل العلم كالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب، ومَن قبلهم مِن الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومَن بعدهم مِن الأئمة الأعلام الذين ضبطوا لنا المرض المبيح للفطر أنه الذي فيه أحد وصفين:
الأول: أن يكون الصيام معه يسبب مشقة لم يكلـِّف الشرع بمثلها.
الثاني: الأمراض التي يتأخر برؤها إذا صام المصاب بها.