الجهاديون الأوروبيون... و"داعش" (1)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد:
يقوم فكر التنظيمات الجهادية (1) على تكفير أعيان حكام المسلمين، وبالتالي الأنظمة التي يحكمونها، وترى هذه التنظيمات وجوب الخروج على الأنظمة الحاكمة بقوة السلاح، وأن قتالهم هو الجهاد، وأن على المسلمين أن ينخرطوا في هذا الجهاد مهما قلَّ عددهم لإقامة دولة الإسلام، رافضين الاكتفاء بالدعوة بالوسائل السلمية!
ولا يخفى على مَن عنده العلم الشرعي والإلمام بعقيدة أهل السُّنة والجماعة ما في هذا الفكر مِن غلو -وليس هذا مقام بسطه-؛ لما فيه مِن تحجيم مفهوم الجهاد في الإسلام؛ فتكفير أعيان الحكام لا يكون إلا بعد ثبوت ارتكاب الكفر الأكبر ثم استيفاء شروط وانتفاء موانع، والإفتاء به لا يكون إلا لمن هو أهل له، وليس لآحاد الناس، والخروج على الحكام -إن وجب الخروج عليهم أو جاز- وقتالهم بالسلاح له ضوابط؛ مبناها على القدرة، والنظر في المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك، فهو مِن جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكون أبدًا لآحاد الناس، بل لأهل الحل والعقد فيهم.
فشتان بيْن الجهاد في الإسلام -وهو محمود في كل حال- وبين قتال الحكام أو الخروج عليهم، الذي يختلف بحسب مَن يكون الخروج عليه، وبحسب قصد الخارج وقدرته وانضباطه بضوابط الشرع، ولا يخفى على كل متتبع لتاريخ الصحوة الإسلامية ما جرته التنظيمات الجهادية مِن مفاسد لعدم انضباطها بضوابط الشرع، وغلوها في إنكار المنكرات واستعمال السلاح، والجرأة على سفك الدماء؛ مما أوقعهم وأوقع الأمة الإسلامية معهم في منكراتٍ أشد مما خرجوا لإزالته، ولم يزيلوا ما خرجوا لإزالته، وأضروا الدعوة إلى الإسلام، بل أضروا عموم المسلمين، وبلغ ذلك الفساد أشده وأسوأه في نهج تنظيم داعش وفكره، ونحن اقتصرنا هنا على هذا العرض الوصفي للموضوع دون خوض في تحليله وتقييمه، فليراع ذلك.
وترجع ظاهرة ظهور "الجهاديين الأوروبيين" في أوروبا إلى أسبابٍ عديدة، منها:
1- التمييز والاستبعاد والتهميش الذي يعاني منه الكثير مِن المسلمين هناك؛ إذ يعيش الكثير مِن شباب المسلمين -ومنهم أجيال ثانية وثالثة مِن أسر عربية مسلمة هاجرت إلى أوروبا مِن عقود، ولم تستطع الاندماج مع المجتمعات الغربية- في شبه عزلة في أحياء يغلب عليها الفقر والبطالة وانتشار الجريمة.
ومِن أوضح الأمثلة على ذلك: (حي مولنبيك) في مدينة (بروكسل) عاصمة بلجيكا التي تُعد العاصمة السياسية لأوروبا؛ إذ يقع فيها المقر الرسمي للاتحاد الأوروبي، ويعيش فيها أكبر جالية إسلامية في أوروبا مقارنة بعدد سكانها، بمعدل 40 مسلمًا في كل مليون بلجيكي، نصف هذه الجالية المسلمة موجودة في بروكسل، حيث تمثـِّل نحو 1/ 4 سكان العاصمة، ويعيش 100 ألف منهم في (حي مولنبيك)، فهو أشهر حي يتجمع فيه إسلاميون، ترجع بدايات هجرة عائلات الكثيرين منهم إلى الستينيات، كعمالة رخيصة هاجرت مِن المغرب وتركيا إلى بلجيكا، لكنها لم تنجح في الاندماج في المجتمع البلجيكي بسبب النظرة العنصرية والتمييز؛ مما دفعهم إلى التجمع في أماكن وأحياء شبه منعزلة، يعاني شبابها مِن التهميش والإخضاع للمراقبة والاحتجاز، وقُبض على العديد منهم، وصدرت عليهم أحكامًا بالسجن بدعوى ممارسة العنف أو الدعوة إليه.
وقد عانى الكثير منهم مِن كراهية المجتمع لهم؛ فمارس العنف ضد المجتمع بالفعل، واتهم بممارسة جرائم انتقامية ضد المجتمع بسبب ذلك، ووقع بعضهم في دائرة تعاطي المخدرات قبْل أن تستقطبهم التنظيمات الجهادية هناك، وحتى مَن عُرف بالتفوق والتميز في دراسته لم يسلم مِن هذا الشعور بكراهية المجتمع له وعدم قبوله فيه؛ لذا كان هذا الحي (حي مولنبيك) موطنًا لعددٍ كبير مِن منفذي العمليات الإرهابية في بلجيكا وأوروبا.
2- الاضطهاد المتزايد مِن اليمين المتطرف في أوروبا ضد المهاجرين إلى أوروبا عامة "والمسلمين خاصة" الذي يؤجج شعور الأوربيين بالكراهية تجاه المسلمين هناك، والذي يُترجم إلى اعتداءاتٍ متكررة وانتهاكاتٍ صارخة على المسلمين مِن وقت لآخر.
وقد زاد الأمر سوءًا: استغلال هذا اليمين المتطرف لاعتداءات سبتمبر 2011م، وما وقع مِن هجمات وعمليات إرهابية بعدها في أوروبا في تهييج الأوروبيين ضد المسلمين هناك، إلى درجة انتشار ظاهرة (الإسلاموفوبيا)، وما صاحبها مِن معاداة لمظاهر وشعائر الإسلام هناك بصورة فجة، بل السخرية والازدراء مِن الإسلام ومقدساته.
3- الحروب التي تشنها الدول الغربية التي لا تنقطع ضد الإسلام والمسلمين داخل أوروبا وخارجها، في البوسنة والهرسك والشيشان باسم التطهير العرقي، وفي أفغانستان والعراق والصومال باسم محاربة الإرهاب، والتواطؤ مع اليهود ضد الفلسطينيين، والتي تنمي التعاطف المتزايد عند الكثيرين مع المسلمين المضطهدين المظلومين.
الجهاديون الأوروبيون:
هم مَن يعتنقون فكر الجهاديين مِن مسلمي أوروبا وأمريكا "مسلمي الغرب"، وهم غير معروفين تحديدًا، إلا مَن شارك منهم بالفعل بحمل السلاح مع التنظيمات الجهادية حول العالم، خاصة مع تنظيم "داعش" في هذه الأيام.
انتشار فكر الجهاد عالميًّا:
عقب الاجتياح الروسي لأفغانستان تطوع الكثيرون مِن شباب الصحوة الإسلامية في مصر والعالم العربي للقتال مع الأفغان ضد الروس المحتلين، ومنهم عدد كبير مِن حملة فكر تنظيم الجهاد مِن مصر، وقد أبلى هؤلاء المجاهدون مع المقاتلين الأفغان بلاءً حسنًا، وقدَّموا تضحياتٍ كبيرة طوال سنوات طويلة مِن العمل المسلح أجبر الروس في النهاية على الخروج مدحورين مِن أفغانستان، وقد نالوا التأييد المادي والمعنوي مِن جهاتٍ عديدةٍ مِن أجل قضيتهم العادلة، وكفاحهم ضد الروس المعتدين.
ولما كان أكثرهم مِن العرب فقد أُطلق عليهم العرب الأفغان، وقد شاركهم في جهادهم قلة قليلة مِن الشبان الأوروبيين المعتنقين للإسلام الذين تطوعوا للجهاد مع الأفغان ضد الروس، وخلال سنين مِن القتال والكفاح نشر أصحاب الفكر الجهادي فكرهم في صفوف المقاتلين، وكوَّنوا تنظيم القاعدة بقيادة "أسامة بن لادن" الذي اعتنق هذا الفكر هناك.