شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الجهاديون الأوروبيون... و"داعش" (1)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

ومع نهاية الحرب ضد الروس لم يعد وجود العرب الأفغان مرغوبًا فيه في ظل تقاتل قيادات الجماعات الأفغانية على الحكم بعد رحيل الروس؛ فعاد منهم مَن عاد إلى وطنه، وبقي منهم مَن استطاع البقاء في أفغانستان على أن يكون بعيدًا عن صراع القيادات الأفغانية، وانتقل آخرون -وقد انتابهم الخوف مِن العودة إلى أوطانهم- إلى اليمن، والسودان، والعديد مِن البلدان الأوروبية والأفريقية التي رحَّبت أو سمحت بوجودهم فيها، وقد عاد الكثير منهم بعد ذلك إلى أفغانستان مرة أخرى بعد وصول حركة (طالبان) للحكم فيها، ونجاحها في الاستيلاء على العاصمة الأفغانية (كابول).

وقد شهدتْ أوروبا العدوان الصربي الكرواتي على مسلمي البوسنة والهرسك أوائل التسعينيات (1992م)، والذي صاحبه انجذاب الشباب المسلم المتطوع -ومنهم جهاديون مِن العرب الأفغان وتنظيم القاعدة- للقتال هناك، ثم كانت مشاركتهم في الحرب في الشيشان ضد الروس (1994م)، وقد استفاد المقاتلون البوسنيون والشيشان مِن هؤلاء المتطوعين الجهاديين؛ لما لهم مِن خبرة سابقة في القتال في أفغانستان مِن جهة، وتأثر مَن تأثر منهم بفكر الجهاديين مِن جهة أخرى، وبدأ التعاطف مِن المسلمين الأوروبيين خاصة الشباب مع هذا الفكر الذي يُشارِك أصحابه في الدفاع عن المسلمين المضطهدين في أوروبا، ومِن ثَمَّ ظهرت بصورة ملحوظة ظاهرة (الجهاديين الأوروبيين).

أنواع الجهاديين الأوروبيين:

يعيش في أوروبا عدة أنواع مِن المسلمين، يتغلغل فيها الشباب مِن الأوروبيين الجهاديين:

الأول منهم: مِن أصول عربية -وهم الأكثرية- تقيم في أوروبا في شكل جاليات عربية مِن الجيل الثاني والثالث ممن تربوا داخل أسرهم، ويعيش أبناء هذه الفئة في صراع بيْن البقاء على الثقافة والعادات والتقاليد التي تربوا عليها داخل أسرهم والتمسك بالدين الذي ينتمون إليه، وبيْن الاندماج والذوبان في المجتمع الأوروبي الذي منحهم جنسيته بمقتضى قانون الأرض الذي يمنح كل مَن يولد على أرض أوروبية جنسية البلد الذي وُلد فيه، وهؤلاء وإن اعتبروا أنفسهم أوربيين؛ إلا أنهم يشعرون أن مِن الأوروبيين مَن ينظر إليهم بعنصرية، وأنهم أبناء أقلية مِن أصول مهاجرة.

الثاني: المهاجرون ممن هاجروا إلى أوروبا تحت ظروف مختلفة، وحصلوا على الإقامة فيها، أو نالوا جنسيتها بعد رحلة مِن البحث عن عمل أو للدراسة، أو كلاجئين سياسيين هاربين مِن أنظمة مستبدة، وغير ذلك، وهؤلاء يعاني الكثيرون منهم مِن التمييز والنظرة العنصرية، والاستبعاد والتهميش في العقود الأخيرة.

الثالث: المتحولون إلى الإسلام مِن الأوروبيين، وهم نوعياتٍ عديدة: منهم مَن جذبه فكر الإسلاميين السياسيين، أو ممن جذبتهم النزعة الإنسانية للإسلام، أو اقتنع بالإسلام بعد دراسة مستفيضة له أقنعته به، ومنهم تحول للإسلام استجابة لدعوة فردية، أو عن طريق أقارب ومعارف له مِن المسلمين، أو مِن زواج مختلط مِن مسلمين، وقد لعبت المراكز الإسلامية في العواصم والمدن الأوروبية دورًا كبيرًا في اعتناق الكثيرين منهم للإسلام.

تختلف سياسات الدول الأوروبية في التعامل مع مَن على أرضها مِن المهاجرين "خاصة المسلمين":

- فهناك دول تقوم سياستها على دمج الآخرين في مجتمعاتها، وتوجيههم نحو الاندماج في الهوية القومية للدولة؛ وبالتالي لا تتيح أي محاولة للتعبير عن التعدد الديني أو الثقافي فيها؛ إذ تقوم العلمانية فيها على الفصل المطلق بيْن الدين والسياسية، فلا دور للدين فيها في الحياة السياسية.

وعلى رأس هذه الدول: "فرنسا"، وهذا يفسِّر مواقفها مِن ارتداء النقاب عامة، والحجاب الإسلامي في المدارس والجامعات خاصة.

- وهناك دول تقبل التعددية الثقافية، ويمكن فيها للأقليات التعبير عن خصوصياتهم الثقافية وإظهار هويتهم؛ إذ تقوم العلمانية فيها على السماح بالتعبير عن الانتماء الديني، فتسمح مثلاً ببناء المدارس التي تحافظ على الثقافة الأصلية للأقليات.

وعلى رأس هذه الدول: "إنجلترا"، وهذا يفسِّر سماحها لرموز ومعتنقي الإسلام السياسي مِن الإقامة والتحرك فيها.

- وهناك دول تنتهج الوسطية في ذلك؛ فلا يغلب فيها هذا النهج على ذلك، فالتعبير عن الهوية الدينية والثقافية فيها نسبي، وعلى رأسها: "ألمانيا".

فقد شهدتْ أوروبا في السنوات الأخيرة اتجاهًا متناميًا في معاداة الأجانب عامة "والمسلمين خاصة"؛ خاصة في أوروبا الغربية، تتزعمها بعض الحركات اليمينية المتطرفة، فمع نهاية الحرب الباردة بيْن أمريكا وروسيا بداية التسعينيات تقلص شبح الخطر الشيوعي الذي كانت الاتجاهات اليمينية تحذر منه وتبني تحركها عليه؛ فجعلت البديل للعداء للشيوعية هو العداء للمهاجرين إلى أوروبا -خاصة المسلمين منهم- الذين زاد تدفقهم على أوروبا بسبب الحروب والصراعات، والفقر والمجاعات؛ بحثًا عن فـُرص العمل والأجور المرتفعة، ومستوى المعيشة الجيد.

فزعمت الحركات اليمينية أن هؤلاء الأجانب صاروا منافسين على الوظائف والتعليم، والسكن والخدمات مِن جهة، وأنهم يمثـِّلون أداة تؤثـِّر على النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية لدول أوروبا المضيفة مِن جهة أخرى، واستطاعت كسب المؤيدين لاتجاهها، والتأثير في الرأي العام، خاصة مع تضخيم مخالفات المخالفين مِن المهاجرين، وأصحاب الجرائم فيهم؛ ليظهروا كمصدر تهديدٍ للأمن والاستقرار الداخلي؛ فنشأت في أوروبا ظاهرة المعاداة للمهاجرين عامة "والمسلمين منهم خاصة"، بل أدت إلى ظهور حركات نازية جديدة في ألمانيا، وظهور "الإسلاموفوبيا" في العديد مِن الدول الأوروبية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية