نصيحة موضوعية في المسألة الجهادية
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعندما ظهرت الجماعات التكفيرية في السبعينيات من القرن الماضي منذ نحو40 عامًا، كانت حادثة اغتيال الدكتور "الذهبي" -بعد خطفه- حادثًا جللاً، هزَّ المجتمع المصري الذي كان غريبًا عليه أمر القتل والاغتيال منذ أمدٍ طويل، كما كان غريبًا عليه فكر التكفير بنفس الدرجة وربما أشد، وظل الأمر كذلك إلى أن زادت الوتيرة بعد اغتيال "السادات" وانتشار موجة القتل والتفجير في الثمانينيات إلى أواسط التسعينيات، ومع ذلك لم تكن تزيد الأحداث عن حادثٍ كل عدة أسابيع أو عدة أشهر، ثم توقفت بدرجة كبيرة -أو كادت- أن تتوقف بالكلية مع المراجعات التي قامت بها "الجماعة الإسلامية"، ثم تلتها "جماعة الجهاد".
وظلَّ الأمر كذلك حتى بعد الثورة، ولم نكن نسمع عن مثل هذه العمليات إلا واحدة كل عدة أشهر، ثم كانت المصيبة العظيمة في تضاعف هذه العمليات بعد أحداث "30 يونيو" و"3/ 7" و"فض رابعة والنهضة"، وما بعدها، ومع تصاعد الأحداث حولنا في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، كانت الزيادة الهائلة بالنسبة لمجتمعنا وبلادنا، حتى صار عاديًّا أن يقع قتل كل يوم في سيناء، وتفجير وتدمير لمنشآتٍ عامة ومرافق حساسة تؤثر على الشعب المصري كله!
ولا بد أن نُقَرِّر جملة مِن الأمور في معالجة هذه المشكلة المجتمعية الخطيرة:
1- إن معالجة مشكلة الإرهاب مسئولية مشتركة، وليست مسئولية وزارة الداخلية أو القوات المسلحة وحدهما، وليست كذلك مسئولية الأجهزة الدينية الرسمية: "كالأزهر والأوقاف" وحدهما؛ بل هي مسئولية كل المجتمع متعاونًا في ذلك؛ يدخل في ذلك الجماعات الإسلامية المعتدلة الرافضة لفكر التكفير والعنف والصدام مع المجتمع، والإعلام الرسمي والخاص مِن قنوات وصحف ومجلات، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمؤسسة القضائية التي تؤثـِّر أحكامها وتصرفاتها -بلا شك- على هذه الظاهرة زيادة ونقصًا، وكذلك مسئولية أفراد المجتمع في حواراتهم وتعليقاتهم وسلوكياتهم، ولو أننا استشعرنا جميعًا المسئولية وخطورة الكلمة والفعل في زيادة أو نقص المقتنعين بفكرة "الصدام" مع المجتمع والقضاء على الدولة؛ لتغيرت الأمور كثيرًا.
2- إن المعالجة الأمنية المحدودة لا يمكن أن تقضي على هذه الظاهرة، بل لا بد من مقاومة الحجة بالحجة، والشبهة بالدليل، والفكرة بالفكرة؛ فالمشكلة تبدأ قبْل حمل السلاح، ولا تنتهي معه "ولو بسقوط صاحبه قتيلاً أو جريحًا أو مسجونًا!".
3- إن تصوُّر البعض أنه وحده القادر على القضاء على الإرهاب، وطلبه مزيدًا مِن الصلاحيات فوق القانون والمساءلة "ولو تم سدُّ الثغرات المحتملة في المساءلة بطريقة قانونية يَعلم الجميع وجود تجاوزاتٍ فيها" - هذا مما يضاعِف الأزمة ولا يعالجها.
4- لن تستطيع دولة أو مجتمع أن يَنعم بالاستقرار وفيه عشرات الألوف مِن المحبوسين! وهم دائرة متشابكة مِن الأهل والأقارب، والجيران والأصدقاء، والمتعاطفين والمتأثرين بالإعلام المؤيِّد له ولأمثاله؛ خصوصًا مع وجود ظلم وتجاوزات وخروقات تثبتها الأجهزة الرسمية "لكن دون أن تعالجها، ودون أن تعطيها حقها!"، وتقدمها المنظمات الدولية.
وأخطر مِن ذلك: تُثْبِتها المشاهدات الواقعية اليومية للمواطنين في أماكن مختلفة مِن البلاد، فلو بذلتَ كل ما في وسعك في الإعلام أو البيانات الرسمية لإقناعهم بخلاف ما رأوه وسمعوه وأحسوه؛ لما اعتبر ذلك شيئًا، فضلاً عما يُنشر من الأكاذيب والإشاعات التي تصل إلى عقول وقلوب الكثيرين من الطيبين عبر وسائل التواصل؛ فيثمر ذلك كله حالة من الاحتقان، وشعورًا بالاضطهاد، وقناعة لدى الكثيرين بوجود حرب على الإسلام.
ويسبب ذلك كله حاضنة شعبية ولو ضئيلة أو في مناطق محدودة مِن المجتمع، لكنها كفيلة باستمرار الأزمة، بل وزيادتها وحمايتها؛ فلا بد مِن تضييق دائرة المحبوسين إلى مَن لا بد مِن حبسه؛ فمن ثبت بالأدلة القاطعة تورطه في جرائم يجب أن تتناسب العقوبة مع قدر الظلم والجرم، وبعد بذل كل الجهد في التيقُّن مِن ثبوت الجريمة، وليس بمجرد الظن والاحتياط؛ فإن ذلك يفاقم المشكلة ويضاعفها، وهذه مسئولية مشتركة بين الأجهزة المعلوماتية بأنواعها، والسلطة القضائية بدرجاتها المختلفة، ولا بد أن نُعمِل جميعًا قاعدة: "أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، ولا بد من إعادة النظر في مدِّ أمد الحبس الاحتياطي بلا سقف زمني؛ فإن ذلك أشد مِن قانون الطوارئ.
5- لا بد أن نعمل على إيقاف تمدد دائرة المتعاطفين والمؤيدين للأفكار المنحرفة؛ فإن كثيرًا من المُنفِّذين لعمليات التفجير الانتحارية سنهم أقل مِن 18 سنة، وهذا يعني أنهم في بداية الثورة كانوا لا يزالون يلعبون الكرة في الطريق، ثم تحوَّلوا إلى هذا الفكر المنحرف الذي يطلب صاحبه الشهادة في سبيل الله بقتل بني دينه ووطنه وجنسه؛ فالخطوة الأولى وقاية الأجيال الصاعدة مِن قبول هذه الانحرافات، وهذه هي الخطوة الأساسية في تجديد الخطاب الديني، ليس كما فهمه المغرضون بأنه تعديل الدين نفسه، وهدم ثوابته ومصادر تشريعه، والتشكيك في العقائد والفقه، والتاريخ والسيرة، والتفسير والحديث، والرموز الدينية عبْر التاريخ؛ فضلاً عن الرموز الدينية المعاصِرة، بل التجديد هو إخبار لأمر الدين، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
ومِن أعظم ذلك: استدراك الأخطاء، والبدء في تناول قضية مِن القضايا، فإذا وجدنا فهمًا خاطئًا لدى الشباب في مسائل "التكفير" مثلاً؛ زدنا مِن جرعة الترهيب مِن تكفير مسلم بغير بيِّنة، وزدنا مِن أدلة العُذر بالجهل والتأويل، وموانع التكفير وتوضيح شروطه، ومَن يتولاه مِن أهل العلم والقضاء الشرعي، وليس العوام والجُهَّال من مُدَّعِي العلم.