نصيحة موضوعية في المسألة الجهادية
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وإذا وجدنا خللاً في مسائل "الولاء والبراء" مثلاً؛ زدنا مِن جرعة توضيح معانيه وأقسام كل معنى، وما يكون مُكفِّرًا، وما لا يكون مُكفِّرًا، وبيان الحد الفاصل بيْن الكفر والمعصية في كل معنى، وكذلك بيان ما يجوز مِن التعامل مع الكفار ولا يُعد المتعامل به مواليًا لهم، وحقيقة ما أُمرنا به مِن البر والقسط مع مَن لم يقاتلـْنا في الدين، دون ما نُهينا عنه من المحبة والموالاة، وليس بهدم القضية بأسرها أو السخرية منها، أو تصويب ملل الكفار وأديانهم.
وإذا رأينا خللاً في فهم قضايا "الجهاد، ودار الإسلام ودار الكفر، وأحكام الأسرى" ونحو ذلك؛ زدنا مِن جرعة التوضيح والتفهيم لهذه المسائل بكلام العلماء، وتوضيح أنواع العهود مع الكفار، وتحريم ظلم المعاهد، فضلاً عن قتله والتمثيل به، وأحكام أهل البغي، وحدود التعامل معهم، وليس بسبِّ العلماء الذين تكلموا في هذه الأبواب بزعم أنهم هم أسباب الإرهاب ومرجعيته، بل مِن أهم الأمور توضيح كلام العلماء بكلامهم، وشرح مذاهبهم بتوضيحاتهم، ولن يحصل ذلك إلا مِن دارسٍ مُتَخَصِّصٍ في مذاهبهم، خاصة مَن يَحتج بكلامهم المخالفون: كشيخ الإسلام "ابن تيمية"، والإمام "محمد بن عبد الوهاب" وعلماء المذاهب الأربعة -رحمهم الله-.
أما سبُّهم وشتمهم والطعن فيهم، و"انتهاك عرض التراث"؛ فلن يزيد الأمر إلا سوءًا، بل هذا أحد أسباب توسيع دائرة المنحرفين.
وأنا لا أشك أن الهجمة على الثوابت الإسلامية، والرموز والهيئات الشرعية الرسمية وغير الرسمية، هي من أعظم أسباب اقتناع الكثير مِن الشباب بأن الدولة تحارِب الإسلام، وهو لا يفرِّق بيْن ما تقدر عليه الدولة وبين ما لا تقدر عليه، وبين ما ومَن يمثـِّلها ومَن لا يمثلها، بل الكل محسوب على الرئيس والجيش والداخلية، والنظام القادر على منع كل شيء والسماح بكل شيء "في ظنِّهم".
ولذلك إذا قضت القوات المنوطة بمكافحة الإرهاب على مئات البؤر وعشرات الأفراد نجد أمامنا دائرة أكبر وأكثر؛ فإذا قُتِل واحد استعدينا غيره عَشرة، وإذا دمرنا مكانًا وجدنا بدلاً منه عشرات، وإذا حبسنا آلافًا أوجدنا مئات الألوف خارج الأسوار، ودخلنا في دائرة مفرَغة مفزِعة؛ لا يمكن أن يستقر معها الوطن والمجتمع!
فلنبدأ بإغلاق دائرة تمدُّد الانحراف، ثم بعد ذلك مواجهة المنحرفين أنفسهم بالفكر؛ فإنهم لا يَثبتون أمام الحجة، فهنا تضيق دائرة الخطر إلى أقل قدر ممكن بدلاً من أن لا تستطيع الأجهزة أن تتعامل معها دون أن يكلفها ما لا تطيق، وتلام على التقصير.
ولا بد كذلك مِن معالجة أخطاء الممارسة عمليًّا لا نظريًّا أو إعلاميًّا؛ فإذا وُجِد مَن قُتِل أو أصيب خطأ؛ بادرنا إلى تعويضه وتعويض أهله، وإذا قُصفت بيوت لأبرياء بادرنا إلى إصلاحها، وإذا أخرجنا إنسانًا مِن داره لضرورة؛ فلا بد أن ننقله إلى مسكن ملائم نوفره له قبل إخراجه، وإذا تهدم مسجد أو مدرسة أو معهد بادرنا إلى بنائه من جديد؛ ليُحرَم الإرهابيون مِن فرصة استغلال الموقف نحو دعم فكرتهم في أن الدولة لا تعبأ بدماء وحرمات الأبرياء، بل تحارب الدين وتريد نقضه، وإذا وجدنا محبوسًا تبيَّنت براءته؛ فلا بد من تعويضه واستسماحه قبل أن يأتي يوم لا ظلم فيه، ولا ينفع فيه مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم.
6- ضرورة التأكيد في وسائل التعليم والإعلام على استيعاب المخالف والتعايش معه طالما قَبِلَ التعايش، وإحياء فقه الموازنات والمصالح والمفاسد، والنظر إلى المآلات، وبيان ما يجب عند القدرة وما يجوز عند العجز، مع ضرورة نشر العلم لا محاربته والتضييق عليه، نعم لا بد من التخصص، لكنه ليس قاصرًا على الوظائف الرسمية والشهادات الحكومية؛ فالعالم العربي والإسلامي به آلاف الجامعات والمدارس والمعاهد، ومَن يتصور إقصاءها جميعًا عدا هيئته ومذهبه بزعم محاربة الإرهاب؛ فهو -وإن وجد المخول بذلك- مع دعمه يحقق أعظم أهداف الإرهابيين الذين لن يتوقفوا بإيقافهم ومنعهم، بل سيتحولون تحت الأرض فتتضاعف المشكلة!
فهذه كانت بعض النصائح الموضوعية في حل هذه الأزمة المتفاقمة، والتي لا يصح أن ندفن رءوسنا في الرمال ونظن أنها سهلة، وشيكة الحل، ولعل هناك تكملة مطلوبة لها نرجو أن نستكملها في مقال آخر -إن شاء الله-.